فخر الدين الرازي

31

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ببعض كتسميتهم القصيدة بأسرها « كلمة » ، ومنها يقال : « كلمة الشهادة » ، ويقال : « الكلمة الطيبة صدقة » ، ولما كان المجاز أولى من الاشتراك علمنا أن إطلاق لفظ الكلمة على المركب مجاز ، وذلك لوجهين ، الأول : أن المركب إنما يتركب من المفردات ، فإطلاق لفظ الكلمة على الكلام المركب يكون إطلاقا لاسم الجزء على الكل ، والثاني : أن الكلام الكثير إذا ارتبط بعضه ببعض حصلت له وحدة فصار شبيها بالمفرد في تلك الوجوه ، والمشابهة سبب من أسباب حسن المجاز ، فأطلق لفظ الكلمة على الكلام الطويل لهذا السبب . المسألة الخامسة : لفظ الكلمة جاء في القرآن لمفهومين آخرين : أحدهما : يقال لعيسى كلمة اللّه ، إما لأنه حدث بقوله : « كن » أو لأنه حدث في زمان قليل كما تحدث الكلمة كذلك ، والثاني : أنه تعالى سمى أفعاله كلمات ، كما قال تعالى في الآية الكريمة : قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي : [ الكهف : 109 ] والسبب فيه الوجهان المذكوران فيما تقدم واللّه أعلم . المسألة السادسة : في القول : هذا التركيب بحسب تقاليبه الستة يدل على الحركة والخفة ، فالأول : « ق ول » فمنه القول ، لأن ذلك أمر سهل على اللسان ، الثاني : « ق ل و » ومنه القلو وهو حمار الوحش ، وذلك لخفته في الحركة ومنه « قلوت البر والسويق » فهما مقلوان ، لأن الشيء إذا قلي جف وخف فكان أسرع إلى الحركة ، ومنه القلولي ، وهو الخفيف الطائش ، والثالث : « وق ل » الوقل الوعل ، وذلك لحركته ، ويقال « توقل في الجبل » إذا صعد فيه ، والرابع : « ول ق » يقال : ولق يلق إذا أسرع ، وقرئ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ [ النور : 15 ] أي : تخفون وتسرعون ، والخامس : « ل وق » كما جاء في الحديث « لا آكل الطعام إلا ما لوق لي » أي : أعملت اليد في تحريكه وتليينه حتى يصلح ، ومنه اللوقة وهي الزبدة قيل لها ذلك لخفتها وإسراع حركتها لأنه ليس بها مسكة الجبن والمصل ، والسادس : « ل ق و » ومنه اللقوة وهي العقاب ، قيل لها ذلك لخفتها وسرعة طيرانها ، ومنه اللقوة في الوجه لأن الوجه اضطرب شكله فكأنه خفة فيه وطيش ، واللقوة الناقة السريعة اللقاح . المسألة السابعة : قال ابن جني رحمه اللّه تعالى : اللغة فعلة من لغوت أي : تلكمت ، وأصلها لغوة ككرة وقلة فإن لاماتها كلها واوات ، بدليل قولهم كروت بالكرة وقلوت بالقلة ، وقيل فيه لغى يلغى إذا هذا ، ومنه قوله تعالى : وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً : [ الفرقان : 72 ] قلت : إن ابن جني قد اعتبر الاشتقاق الأكبر في الكلمة والقول ولم يعتبره هاهنا ، وهو حاصل فيه ، فالأول : « ل غ و » ومنه اللغة ومنه أيضا الكلام اللغو ، والعمل اللغو ، والثاني : « ل وغ » ويبحث عنه ، والثالث : « غ ل و » ومنه يقال : لفلان غلو في كذا ، ومنه الغلوة ، والرابع : « غ ول » ومنه قوله تعالى : لا فِيها غَوْلٌ : [ الصافات : 47 ] والخامس : « وغ ل » ومنه يقال : فلان أوغل في كذا والسادس : « ول غ » ومنه يقال : ولغ الكلب في الإناء ، ويشبه أن يكون القدر المشترك بين الكل هو الإمعان في الشيء والخوض التام فيه . المسألة الثامنة : في اللفظ : وأقول : أظن أن إطلاق اللفظ على هذه الأصوات والحروف على سبيل المجاز ، وذلك لأنها إنما تحدث عنه إخراج النفس من داخل الصدر إلى الخارج فالإنسان عند إخراج النفس من داخل الصدر إلى الخارج يحبسه في المحابس المعينة ، ثم يزيل ذلك الحبس ، فتتولد تلك الحروف في آخر زمان حبس النفس وأول زمان إطلاقه ، والحاصل أن اللفظ هو : الرمي ، وهذا المعنى حاصل في هذه الأصوات