فخر الدين الرازي
28
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والحروف ، فعند ذلك يجب البحث عن حقيقة الصوت ، وعن أسباب وجوده ولا شك أن حدوث الصوت في الحيوان إنما كان بسبب خروج النفس من الصدر ، فعندها يجب البحث عن حقيقة النفس ، وأنه ما الحكمة في كون الإنسان متنفسا على سبيل الضرورة وأن هذا الصوت يحصل بسبب استدخال النفس أو بسبب إخراجه ، وعند هذا تحتاج هذه المباحث إلى معرفة أحوال القلب والرئة ، ومعرفة الحجاب الذي هو المبدأ الأول لحركة الصوت ومعرفة سائر العضلات المحركة للبطن والحنجرة واللسان والشفتين ، وأما الحرف فيجب البحث أنه هل هو نفس الصوت ، أو هيئة موجودة في الصوت مغايرة له ؟ وأيضا لا شك أن هذه الحروف إنما تتولد عند تقطيع الصوت ، وهي مخارج مخصوصة في الحلق واللسان والأسنان والشفتين ، فيجب البحث عن أحوال تلك المحابس ، ويجب أيضا البحث عن أحوال العضلات التي باعتبارها تتمكن الحيوانات من إدخال الأنواع الكثيرة من الجنس في الوجود وهذه المباحث لا تتم دلالتها إلا عند الوقوف على علم التشريح . ثم نقول : والمرتبة السادسة : من البحث هي أن الحرف والصوت كيفيات محسوسة بحاسة السمع ، وأما الألوان والأضواء فهي كيفيات محسوسة بحاسة البصر ، والطعوم كيفيات محسوسة بحاسة الذوق ، وكذا القول في سائر الكيفيات المحسوسة ، فهل يصح أن يقال : هذه الكيفيات / أنواع داخلة تحت جنس واحد وهي متباينة بتمام الماهية ، وأنه لا مشاركة بينها إلا باللوازم الخارجية أم لا ؟ . ثم نقول : والمرتبة السابعة : من البحث أن الكيفيات المحسوسة نوع واحد من أنواع جنس الكيف في المشهور ، فيجب البحث عن تعريف مقولة الكيف ، ثم يجب البحث أن وقوعه على ما تحته هل هو قول الجنس على الأنواع أم لا ؟ . ثم نقول : والمرتبة الثامنة : أن مقولة الكيف ، ومقولة الكم ، ومقولة النسبة عرض ، فيجب البحث عن مقولة العرض وأقسامه ، وعن أحكامه ولوازمه وتوابعه . ثم نقول : والمرتبة التاسعة : أن العرض والجواهر يشتركان في الدخول تحت الممكن والواجب مشتركان في الدخول تحت الموجود ، فيجب البحث عن لواحق الوجود والعدم ، وهي كيفية وقوع الموجود على الواجب والممكن أنه هل هو قول الجنس على أنواعه أو هو قول اللوازم على موصوفاتها وسائر المباحث المتعلقة بهذا الباب . ثم نقول : والمرتبة العاشرة : أن نقول : لا شك أن المعلوم والمذكور والمخبر عنه يدخل فيها الموجود والمعدوم ، فكيف يعقل حصول أمر أعم من الموجود ؟ ومن الناس من يقول المظنون أعم من المعلوم ، وأيضا فهب أن أعم الاعتبارات هو المعلوم ، ولا شك أن المعلوم مقابله غير المعلوم ، لكن الشيء ما لم تعلم حقيقته امتنع الحكم عليه بكونه مقابلا لغيره ، فلما حكمنا على غير المعلوم بكونه مقابلا للمعلوم ، وجب أن يكون غير المعلوم معلوما ، فحينئذ يكون المقابل للمعلوم معلوما ، وذلك محال . واعلم أن من اعتبر هذه المراتب العشرة في كل جزء من جزئيات الموجودات فقد انفتحت عليه أبواب مباحث لا نهاية لها ، ولا يحيط عقله بأقل القليل منها ، فظهر بهذا كيفية الاستنباط للعلوم الكثيرة من الألفاظ القليلة