فخر الدين الرازي

22

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

تفسير الاستعاذة إن قولنا : ( أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ) لا شك أن المراد منه الاستعاذة باللّه من جميع المنهيات والمحظورات ، ولا شك أن المنهيات إما أن تكون من باب / الاعتقادات ، أو من باب أعمال الجوارح ، أما الاعتقادات فقد جاء في الخبر المشهور قوله صلّى اللّه عليه وسلم « ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة : كلهم في النار إلا فرقة واحدة » وهذا يدل على أن الاثنتين والسبعين موصوفون بالعقائد الفاسدة ، والمذاهب الباطلة ، ثم إن ضلال كل واحدة من أولئك الفرق غير مختص بمسألة واحدة ، بل هو حاصل في مسائل كثيرة من المباحث المتعلقة بذات اللّه تعالى ، وبصفاته ، وبأحكامه ، وبأفعاله ، وبأسمائه ، وبمسائل الجبر ، والقدر ، والتعديل ، والتجويز ، والثواب ، والمعاد ، والوعد ، والوعيد ، والأسماء ، والأحكام ، والإمامة ، فإذا وزعنا عدد الفرق الضالة - وهو الاثنتان والسبعون - على هذه المسائل الكثيرة بلغ العدد الحاصل مبلغا عظيما ، وكل ذلك أنواع الضلالات الحاصلة في فرق الأمة ، وأيضا فمن المشهور أن فرق الضلالات من الخارجين عن هذه الأمة يقربون من سبعمائة ، فإذا ضمت أنواع ضلالاتهم إلى أنواع الضلالات الموجودة في فرق الأمة في جميع المسائل العقلية المتعلقة بالإلهيات ، والمتعلقة بأحكام الذوات والصفات بلغ المجموع مبلغا عظيما في العدد ، ولا شك أن قولنا ( أعوذ باللّه ) يتناول الاستعاذة من جميع تلك الأنواع ، والاستعاذة من الشيء لا تمكن إلا بعد معرفة المستعاذ منه ، وإلا بعد معرفة كون ذلك الشيء باطلا وقبيحا ، فظهر بهذا الطريق أن قولنا : ( أعوذ باللّه ) مشتمل على الألوف من المسائل الحقيقية اليقينية ، وأما الأعمال الباطلة فهي عبارة عن كل ما ورد النهي عنه إما في القرآن ، أو في الأخبار المتواترة ، أو في أخبار الآحاد ، أو في إجماع الأمة ، أو في القياسات الصحيحة ، ولا شك أن تلك المنهيات تزيد على الألوف ، وقولنا ( أعوذ باللّه ) متناول لجميعها وجملتها ، فثبت بهذا الطريق أن قولنا ( أعوذ باللّه ) مشتمل على عشرة آلاف مسألة أو أزيد أو أقل من المسائل المهمة المعتبرة .