محمد بن جرير الطبري
97
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
كان إذا قرأها قال : سبحان ربي الأعلى حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن خارجة ، عن داود ، عن زياد بن عبد الله ، قال : سمعت ابن عباس يقرأ في صلاة المغرب سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى سبحان ربي الأعلى . وقال آخرون : بل معنى ذلك : نزه يا محمد اسم ربك الأعلى ، أن تسمي به شيئا سواه ، ينهاه بذلك أن يفعل ما فعل من ذلك المشركون ، من تسميتهم آلهتهم بعضها اللات وبعضها العزى . وقال غيرهم : بل معنى ذلك : نزه الله عما يقول فيه المشركون كما قال : وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ وقالوا : معنى ذلك : سبح ربك الأعلى ؛ قالوا : وليس الاسم معني . وقال آخرون : نزه تسميتك يا محمد ربك الأعلى وذكره إياه ، أن تذكره إلا وأنت له خاشع متذلل ؛ قالوا وإنما عني بالاسم : التسمية ، ولكن وضع الاسم مكان المصدر . وقال آخرون : معنى قوله : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى : صل بذكر ربك يا محمد ، يعني بذلك : صل وأنت له ذاكر ، ومنه وجل خائف . وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب : قول من قال : معناه : نزه اسم ربك أن تدعو به الآلهة والأوثان ، لما ذكرت من الأخبار ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة أنهم كانوا إذا قرأوا ذلك قالوا : سبحان ربي الأعلى ، فبين بذلك أن معناه كان عندهم معلوما : عظم اسم ربك ، ونزهه . وقوله : الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى يقول : الذي خلق الأشياء فسوى خلقها وعدلها ؛ والتسوية التعديل . وقوله : وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى يقول تعالى ذكره : والذي قدر خلقه فهدى . واختلف أهل التأويل في المعنى الذي عني بقوله : فَهَدى ، فقال بعضهم : هدي الإنسان لسبيل الخير والشر ، والبهائم للمراتع . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : قَدَّرَ فَهَدى قال : هدي الإنسان للشقوة والسعادة ، وهدي الإنسان لمراتعها . وقال آخرون : بل معنى ذلك : هدي الذكور لمأتي الإناث . وقد ذكرنا الرواية بذلك فيما مضى . والصواب من القول في ذلك عندنا : أن الله عم بقوله فَهَدى الخبر عن هدايته خلقه ، ولم يخصص من ذلك معنى دون معنى ، وقد هداهم لسبيل الخير والشر ، وهدى الذكور لمأتي الإناث ، فالخبر على عمومه ، حتى يأتي خبر تقوم به الحجة ، دال على خصوصه . واجتمعت قراء الأمصار على تشديد الدال من قدر ، غير الكسائي فإنه خففها . والصواب في ذلك التشديد ، لإجماع الحجة عليه . وقوله : وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى يقول : والذي أخرج من الأرض مرعى الأنعام ، من صنوف النبات وأنواع الحشيش . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب بن مكرم ، قال ثنا الحفري ، قال ثنا سفيان ، عن منصور ، عن أبي رزين أَخْرَجَ الْمَرْعى قال النبات . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى الآية ، نبت كما رأيتم ، بين أصفر وأحمر وأبيض . وقوله : فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى يقول تعالى ذكره : فجعل ذلك المرعى غثاء ، وهو ما جف من النبات ويبس ، فطارت به الريح ؛ وإنما عني به هاهنا أنه جعله هشيما يابسا متغيرا إلى الحوة ، وهي السواد ، من البياض أو الخضرة ، من شدة اليبس . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله : غُثاءً أَحْوى يقول : هشيما متغيرا حدثني