محمد بن جرير الطبري
7
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
السماء فصدعت ، فكانت طرقا ، وكانت من قبل شدادا لا فطور فيها ولا صدوع . وقيل : معنى ذلك : وفتحت السماء فكانت قطعا كقطع الخشب المشققة لأبواب الدور والمساكن . قالوا : ومعنى الكلام . وفتحت السماء فكانت قطعا كالأبواب ، فلما أسقطت الكاف صارت الأبواب الخبر ، كما يقال في الكلام : كان عبد الله أسدا ، يعني : كالأسد . وقوله : وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً يقول : ونسفت الجبال فاجتثت من أصولها ، فصيرت هباء منبثا ، لعين الناظر ، كالسراب الذي يظن من يراه من بعد ماء ، وهو في الحقيقة هباء . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً يعني تعالى ذكره بقوله : إن جهنم كانت ذات رصد لأهلها ، الذين كانوا يكذبون في الدنيا بها ، وبالمعاد إلى الله في الآخرة ، ولغيرهم من المصدقين بها . ومعنى الكلام : إن جهنم كانت ذات ارتقاب ، ترقب من يجتازها وترصدهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة ، قال : ثنا مسلم بن إبراهيم ، عن عبد الله بن بكر بن عبد الله المازني ، قال : كان الحسن إذا تلا هذه الآية : إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً قال : ألا إن على الباب الرصد ، فمن جاء بجواز جاز ، ومن لم يجئ بجواز احتبس . حدثني يعقوب ، قال : ثنا إسماعيل بن علية ، عن أبي رجاء ، عن الحسن ، في قوله إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً قال : لا يدخل الجنة أحد حي يجتاز النار . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً يعلمنا أنه لا سبيل إلى الجنة حتى يقطع النار . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً قال : عليها ثلاث قناطر . وقوله : لِلطَّاغِينَ مَآباً يقول تعالى ذكره . إن جهنم للذين طغوا في الدنيا ، فتجاوزوا حدود الله ، استكبارا على ربهم ، كانت منزلا مرجعا يرجعون إليه ، ومصيرا يصيرون إليه يسكنونه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد . قال : ثنا سعيد ، عن قتادة لِلطَّاغِينَ مَآباً أي منزلا ومأوى . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران عن سفيان مَآباً يقول : مرجعا ومنزلا . وقوله : لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً يقول تعالى ذكره : إن هؤلاء الطاغين في الدنيا لابثون في جهنم ، فماكثون فيها أحقابا . واختلفت القراء في قراءة قوله : لابِثِينَ فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة وبعض قراء الكوفة : لابِثِينَ بالألف . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة : " لابثين " بغير الألف ؛ وأفصح القراءتين وأصحهما مخرجا في العربية ، قراءة من قرأ ذلك بالألف ؛ وذلك أن العرب لا تكاد توقع الصفة إذا جاءت على فعيل ، فتعملها في شيء ، وتنصبه بها ، لا يكادون أن يقولوا : هذا رجل بخل بماله ، ولا عسر علينا ، ولا هو خصم لنا ، لأن فعل لا يأتي صفة إلا مدحا أو ذما ، فلا يعمل المدح والذم في غيره ، وإذ أرادوا إعمال ذلك في الاسم أو غيره جعلوه فاعلا ، فقالوا : هو باخل بماله ، وهو طامع فيما عندنا ، فلذلك قلت : إن لابِثِينَ أصح مخرجا في العربية وأفصح ، ولم أحل قراءة من قرأ : لابِثِينَ وإن كان غيرها أفصح ، لأن العرب ربما أعملت المدح في الأسماء ، وقد ينشد بيت لبيد : أو مسحل عمل عضادة سمحج * بسراتها ندب له وكلوم فاعمل " عمل " في عضادة ، ولو كانت عاملا كانت أفصح ، وينشد أيضا : وبالفأس ضراب رؤوس الكرانف