محمد بن جرير الطبري
66
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قد رويت إلا الدهيد هينا * قليصات وأبيكرينا فقال : وأبيكرينا ، فجمعها بالنون إذ لم يقصد عددا معلوما من البكارة ، بل أراد عددا لا يحد آخره ، وكما قال الآخر : فأصبحت المذاهب قد أذاعت * بها الإعصار بعد الوابلينا يعني : مطرا بعد مطر غير محدود العدد ، وكذلك تفعل العرب في كل جمع لم يكن بناء له من واحده واثنيه ، فجمعه في جميع الإناث ، والذكران بالنون على ما قد بينا ، ومن ذلك قولهم للرجال والنساء : عشرون وثلاثون . فإذا كان ذلك كالذي ذكرنا ، فبين أن قوله : لَفِي عِلِّيِّينَ معناه : في علو وارتفاع ، في سماء فوق سماء ، وعلو فوق علو ، وجائز أن يكون ذلك إلى السماء السابعة ، وإلى سدرة المنتهى ، وإلى قائمة العرش ، ولا خبر يقطع العذر بأنه معني به بعض ذلك دون بعض . والصواب أن يقال في ذلك ، كما قال جل ثناؤه : إن كتاب أعمال الأبرار لفي ارتفاع إلى حد قد علم الله جل وعز منتهاه ، ولا علم عندنا بغايته ، غير أن ذلك لا يقصر عن السماء السابعة ، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك . وقوله : وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد الله ، معجبه من عليين : وأي شيء أشعرك يا محمد ما عليون ؟ . وقوله : كِتابٌ مَرْقُومٌ يقول جل ثناؤه : إن كتاب الأبرار لفي عليين ، كتاب مر قوم : أي مكتوب بأمان من الله إياه من النار يوم القيامة ، والفوز بالجنة ، كما قد ذكرناه قبل عن كعب الأحبار والضحاك بن مزاحم ، وكما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة كِتابٌ مَرْقُومٌ رقم . وقوله : يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ يقول : يشهد ذلك الكتاب المكتوب بأمان الله للبر من عباده من النار ، وفوزه بالجنة ، المقربون من ملائكته من كل سماء من السماوات السبع وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ قال : كل أهل السماء . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ من ملائكة الله . حدثنا عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ قال : يشهده مقربو أهل كل سماء . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ قال : الملائكة . وقوله : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ يقول تعالى ذكره : إن الأبرار الذين بروا باتقاء الله ، وأداء فرائضه ، لفي نعيم دائم ، لا يزول يوم القيامة ، وذلك نعيمهم في الجنان . القول في تأويل قوله تعالى : عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ . . . النَّعِيمِ يعني تعالى ذكره بقوله : عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ على السرر في الحجال ، من اللؤلؤ والياقوت ، ينظرون إلى ما أعطاهم الله من الكرامة والنعيم ، والحبرة في الجنان . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : عَلَى الْأَرائِكِ قال : من اللؤلؤ والياقوت . حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن حصين ، عن مجاهد ، عن ابن عباس الْأَرائِكِ السرر في الحجال . وقوله : تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ