محمد بن جرير الطبري
55
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ قال : تعلم ما قدمت من طاعة الله ، وما أخرت مما أمرت به من حق لله عليه لم تعمل به . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ قال : ما قدمت من خير ، وأخرت من حق الله عليها لم تعمل به . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ قال : ما قدمت من طاعة الله وما أخرت من حق الله . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ قال : ما قدمت : عملت ، وما أخرت : تركت وضيعت ، وأخرت من العمل الصالح الذي دعاها الله إليه . وقال آخرون : بل معنى ذلك : ما قدمت من خير أو شر ، وأخرت من خير أو شر . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا العوام ، عن إبراهيم التيمي ، قال : ذكروا عنده هذه الآية عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ قال : أنا مما أخر الحجاج . وإنما اخترنا القول الذي ذكرناه ، لأن كل ما عمل العبد من خير أو شر فهو مما قدمه ، وأن ما ضيع من حق الله عليه وفرط فيه فلم يعمله ، فهو مما قد قدم من شر ، وليس ذلك مما أخر من العمل ، لأن العمل هو ما عمله ، فأما ما لم يعمله فإنما هو سيئة قدمها ، فلذلك قلنا : ما أخر : هو ما سنه من سنة حسنة وسيئة ، مما إذا عمل به العامل كان له مثل أجر العامل بها أو وزره . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ . . . رَكَّبَكَ يقول تعالى ذكره : يا أيها الإنسان الكافر ، أي شيء غرك بربك الكريم ، غر الإنسان به عدوه المسلط عليه ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ شيء ما غر ابن آدم هذا العدو الشيطان . وقوله : الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ يقول : الذي خلقك أيها الإنسان فسوى خلقك فَعَدَلَكَ واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة ومكة والشام والبصرة : فعدلك بتشديد الدال ، وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة بتخفيفها ؛ وكأن من قرأ ذلك بالتشديد ، وجه معنى الكلام إلى أنه جعلك معتدلا معدل الخلق مقوما ، وكأن الذين قرءوه بالتخفيف ، وجهوا معنى الكلام إلى صرفك ، وأمالك إلى أي صورة شاء ، إما إلى صورة حسنة ، وإما إلى صورة قبيحة ، أو إلى صورة بعض قراباته . وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال : إنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار ، صحيحتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، غير أن أعجبهما إلي أن أقرأ به ، قراءة من قرأ ذلك بالتشديد ، لأن دخول " في " للتعديل أحسن في العربية من دخولها للعدل ، ألا ترى أنك تقول : عدلتك في كذا ، وصرفتك إليه ، ولا تكاد تقول : عدلتك إلى كذا وصرفتك فيه ، فلذلك اخترت التشديد . وبنحو الذي قلنا في ذلك وذكرنا أن قارئي ذلك تأولوه ، جاءت الرواية عن أهل التأويل أنهم قالوه . ذكر الرواية بذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيع ، عن مجاهد ، في قول الله : فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ قال : في أي شبه أب أو أم أو خال أو عم . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن إسماعيل ، في قوله : ما شاءَ رَكَّبَكَ قال : إن شاء في صورة كلب ، وإن شاء في صورة حمار . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن إسماعيل ، عن أبي صالح فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ قال : خنزيرا أو حماوا . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ،