محمد بن جرير الطبري
32
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ربك منتهى علمها ، أي إليه ينتهي علم الساعة ، لا يعلم وقت قيامها غيره . وقوله : إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها يقول تعالى ذكره لمحمد : إنما أنت رسول مبعوث بإنذار الساعة من يخاف عقاب الله فيها على إجرامه ، ولم تكلف علم وقت قيامها ، يقول : فدع ما لم تكلف علمه ، واعمل بما أمرت به ، من إنذار من أمرت بإنذاره . واختلف القراء في قراءة قوله : مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها فكان أبو جعفر القارئ وابن محيصن يقرآن : " منذر " بالتنوين ، بمعنى : أنه منذر من يخشاها ؛ وقرأ ذلك سائر قراء المدينة ومكة والكوفة والبصرة بإضافة منذر إلى من . والصواب من القول في ذلك عندي : أنهم قراءتان معروفتان ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقوله : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها يقول جل ثناؤه : كأن هؤلاء المكذبين بالساعة ، يوم يرون أن الساعة قد قامت ، من عظيم هولها ، لم يلبثوا في الدنيا إلا عشية يوم ، أو ضحى تلك العشية ؛ والعرب تقول : آتيك العشية أو غداتها ، وآتيك الغداة أو عشيتها ، فيجعلون معنى الغداة ، بمعنى أول النهار ، والعشية : آخر النهار ، فكذلك قوله : إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها إنما معناها إلا آخر يوم أو أوله ، وينشد هذا البيت : نحن صبحنا عامرا في دارها * عشية الهلال أو سرارها يعني : عشية الهلال ، أو عشية سرار العشية . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها وقت الدنيا في أعين القوم حين عاينوا الآخرة . آخر تفسير سورة النازعات . [ تفسير سورة عبس ] القول في تأويل قوله تعالى : عَبَسَ وَتَوَلَّى . . . يَزَّكَّى يعني تعالى ذكره بقوله : عَبَسَ : قبض وجهه تكرها ، وَتَوَلَّى يقول : وأعرض أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى يقول : لأن جاءه الأعمى . وقد ذكر عن بعض القراء أنه كان يطول الألف ويمدها من أَنْ جاءَهُ فيقول : " آن جاءه " ، وكأن معنى الكلام كان عنده : أأن جاءه الأعمى عبس وتولى ؟ كما قرأ من قرأ : أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ بمد الألف من " أن " وقصرها . وذكر أن الأعمى الذي ذكره الله في هذه الآية ، هو ابن أم مكتوم ، عوتب النبي صلى الله عليه وسلم بسببه . ذكر الأخبار الواردة بذلك : حدثنا سعيد بن يحيى الأموي ، قال : ثنا أبي ، عن هشام بن عروة مما عرضه عليه عروة ، عن عائشة قالت : أنزلت عَبَسَ وَتَوَلَّى في ابن أم مكتوم ، قالت : أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول : أرشدني ، قالت : وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم من عظماء المشركين ، قالت : فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ، ويقبل على الآخر ، ويقول : " أترى بما أقوله بأسا ؟ " فيقول : لا ؛ ففي هذا أنزلت : عَبَسَ وَتَوَلَّى حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ،