محمد بن جرير الطبري

30

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

والقول الذي ذكرناه عن ابن عباس من أن الله تعالى خلق الأرض ، وقدر فيها أقواتها ، ولم يدحها ، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات ، ثم دحا الأرض بعد ذلك ، فأخرج منها ماءها ومرعاها ، وأرسى جبالها ، أشبه لما دل عليه ظاهر التنزيل ، لأنه جل ثناؤه قال : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ، والمعروف من معنى " بعد أنه خلاف معنى وقبل " ، وليس في دحو الله الأرض بعد تسويته السماوات السبع ، وإغطاشه ليلها ، وإخراجه ضحاها ، ما يوجب أن تكون الأرض خلقت بعد خلق السماوات لأن الدحو إنما هو البسط في كلام العرب ، والمد يقال منه : دحا يدحو دحوا ، ودحت أدحي دحيا لغتان ؛ ومنه قول أمية بن أبي الصلت : دار دحاها ثم أعمرنا بها * وأقام بالأخرى التي هي أمجد وقول أوس بن حجر في نعت غيث : ينفي الحصى عن جديد الأرض مبترك * كأنه فاحص أو لاعب داحي وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها : أي بسطها . حدثني محمد بن خلف ، قال : ثنا رواد ، عن أبي حمزة ، عن السدي دَحاها قال : بسطها . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان : دحاها : بسطها . وقال ابن زيد في ذلك ما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : دَحاها قال : حرثها شقها وقال : أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها ، وقرأ : ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا حتى بلغ وَفاكِهَةً وَأَبًّا ، وقال حين شقها أنبت هذا منها ، وقرأ : وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ . وقوله : أَخْرَجَ مِنْها ماءَها يقول : فجر فيها الأنهار . وَمَرْعاها يقول : أنبت نباتها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَمَرْعاها ما خلق الله فيها من النبات ، وماءها : ما فجر فيها من الأنهار . وقوله : وَالْجِبالَ أَرْساها يقول : والجبال أثبتها فيها ، وفي الكلام متروك استغني بدلالة الكلام عليه من ذكره ، وهو فيها ، وذلك أن معنى الكلام : والجبال أرساها فيها . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَالْجِبالَ أَرْساها : أي أثبتها لا تميد بأهلها . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن عطاء ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي قال : لما خلق الله الأرض قمصت وقالت : تخلق علي آدم وذريته يلقون علي نتنهم ، ويعملون على بالخطايا فأرساها الله ، فمنها ما ترون ، ومنها ما لا ترون ، فكان أول قرار الأرض كلحم الجزور إذا نحر يختلج لحمها . القول في تأويل قوله تعالى : مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ . . . ما سَعى يعني تعالى ذكره بقوله : مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ أنه خلق هذه الأشياء ، وأخرج من الأرض ماءها ومرعاها ، منفعة لنا ، ومتاعا إلى حين . وقوله : فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى يقول تعالى ذكره : فإذا جاءت التي تطم على كل هائلة من الأمور ، فتغمر ما سواها بعظيم هولها ، وقيل : إنها اسم من أسماء يوم القيامة . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى من أسماء يوم القيامة ، عظمه الله