محمد بن جرير الطبري
194
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
من العرب قد قدموا عليه يلتمسون فضله ، منهم محمد بن خزاعيي بن حزابة الذكواني ، ثم السلمي ، في نفر من قومه ، معه أخ له يقال له قيس بن خزاعي ؛ فبينما هم عنده ، غشيهم عبد لأبرهة ، فبعث إليهم فيه بغذائه ، وكان يأكل الخصي ؛ فلما أتى القوم بغذائه ، قالوا : والله لئن أكلنا هذا لا تزال تسبنا به العرب ما بقينا ، فقام محمد بن خزاعي ، فجاء أبرهة فقال : أيها الملك ، إن هذا يوم عيد لنا ، لا نأكل فيه إلا الجنوب والأيدي ، فقال له أبرهة : فسنبعث إليكم ما أحببتم ، فإنما أكرمتكم بغذائي ، لمنزلتكم عندي . ثم إن أبرهة توج محمد بن خزاعي ، وأمره على مضر ، أن يسير في الناس ، يدعوهم إلى حج القليس ، كنيسته التي بناها ، فسار محمد بن خزاعي ، حتى إذا نزل ببعض أرض بني كنانة ، وقد بلغ أهل تهامة أمره ، وما جاء له ، بعثوا إليه رجلا من هذيل يقال له عروة بن حياض الملاصي ، فرماه بسهم فقتله ؛ وكان مع محمد بن خزاعي أخوه قيس بن خزاعي ، فهرب حين قتل أخوه ، فلحق بأبرهة فأخبره بقتله ، فزاد ذلك أبرهة غضبا وحنقا ، وحلف ليغزون بني كنانة ، وليهدمن البيت . ثم إن أبرهة حين أجمع السير إلى البيت ، أمر الحبشان فتهيأت وتجهزت ، وخرج معه بالفيل ، وسمعت العرب بذلك ، فأعظموه ، وفظعوا به ، ورأوا جهاده حقا عليهم ، حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة ، بيت الله الحرام ، فخرج رجل كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم ، يقال له ذو نفر ، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب ، إلى حرب أبرهة ، وجهاده عن بيت الله ، وما يريد من هدمه واخرابه ، فأجابه من أجابه إلى ذلك ، وعرض له ، وقاتله ، فهزم وتفرق أصحابه ، وأخذ له ذو نفر أسيرا ؛ فلما أراد قتله ، قال ذو نفر : أيها الملك لا تقتلني ، فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيرا لك من قتلي ؛ فتركه من القتل ، وحبسه عنده في وثاق . وكان أبرهة رجلا حليما . ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له ، حتى إذا كان بأرض خثعم ، عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قبيلي خثعم : شهران ، وناهس ، ومن معه من قبائل العرب ، فقاتله فهزمه أبرهة ، وأخذ له أسيرا ، فأتي به ؛ فلما هم بقتله ، قال له نفيل : أيها الملك لا تقتلني ، فإني دليلك بأرض العرب ، وهاتان يداي لك على قبيلي خثعم : شهران ، وناهس ، بالسمع والطاعة ؛ فأعفاه وخلى سبيله ، وخرج به معه ، يدله على الطريق ؛ حتى إذا مر بالطائف ، خرج إليه مسعود بن معتب في رجال ثقيف ، فقال : أيها الملك ، إنما نحن عبيدك ، سامعون لك مطيعون ، ليس لك عندنا خلاف ، وليس بيتنا هذا بالبيت الذي تريد يعنون اللات إنما تريد البيت الذي بمكة يعنون الكعبة ونحن نبعث معك من يدلك ، فتجاوز عنهم ، وبعثوا معهم أبا رغال ؛ فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزله المغمس ، فلما أنزله به مات أبو رغال هناك ، فرجمت العرب قبره ، فهو القبر الذي ترجم الناس بالمغمس . ولما نزل أبرهة المغمس ، بعث رجلا من الحبشة ، يقال له الأسود بن مقصود ، على خيل له حتى انتهى إلى مكة ، فساق إليه أموال أهل مكة من قريش وغيرهم ، وأصاب فيها مئتي بعير لعبد المطلب بن هاشم ، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها ؛ وهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان معهم بالحرم من سائر الناس بقتاله ، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به ، فتركوا ذلك ، وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة ، وقال له : سل عن سيد هذا البلد وشريفهم ، ثم قل له : إن الملك يقول لكم : إني لم آت لحربكم ، إنما جئت لهدم البيت ، فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة في بدمائكم ، فإن لم يرد حربي فأتني به . فلما دخل حناطة مكة ، سأل عن سيد قريش وشريفها ، فقيل : عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ، فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة ، فقال له عبد المطلب : والله ما نريد حربه ، وما لنا بذلك من طاقة ؛ هذا بيت الله الحرام ، وبيت خليله إبراهيم عليه السلام أو كما قال فإن يمنعه فهو بيته وحرمه ، وإن يخل بينه وبينه ، فوالله ما عندنا له من دافع عنه ، أو كما قال ؛