محمد بن جرير الطبري

189

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ أما الهمزة : فأكل لحوم الناس ، وأما اللمزة : فالطعان عليهم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، قال : الهمزة : آكل لحوم الناس : واللمزة : الطعان عليهم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن ابن خثيم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ قال : ويل لكل طعان مغتاب . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن أبي جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، قال : الهمزة : يهمزه في وجهه ، واللمزة : من خلفه . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : يهمزه ويلمزه بلسانه وعينه ، ويأكل لحوم الناس ، ويطعن عليهم . حدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : الهمزة باليد ، واللمزة باللسان . وقال آخرون في ذلك ما : حدثني به يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قول الله : وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ قال : الهمزة : الذي يهمز الناس بيده ، ويضربهم بلسانه ، واللمزة : الذي يلمزهم بلسانه ويعيبهم . واختلف في المعنى بقوله : وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ فقال بعضهم : عني بذلك : رجل من أهل الشرك بعينه ، فقال بعض من قال هذا القول : هو جميل بن عامر الجمحي . وقال آخرون منهم : هو الأخنس بن شريق . ذكر من قال : عني به مشرك بعينه : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ قال : مشرك كان يلمز الناس ويهمزهم . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن رجل من أهل الرقة قال : نزلت في جميل بن عامر الجمحي . حدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، في قوله هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ قال : ليست بخاصة لأحد ، نزلت في جميع بني عامر ؛ قال ورقاء : زعم الرقاشي . وقال بعض أهل العربية : هذا من نوع ما تذكر العرب اسم الشيء العام ، وهي تقصد به الواحد ، كما يقال في الكلام ، إذا قال رجل لأحد : لا أزورك أبدا : كل من لم يزرني ، فلست بزائره ، وقائل ذلك يقصد جواب صاحبه القائل له : لا أزورك أبدا . وقال آخرون : بل معني به ، كل من كانت هذه الصفة صفته ، ولم يقصد به قصد آخر . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو . قال : ثنا أبو عاصم ، قاله : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ قال : ليست بخاصة لأحد . والصواب من القول في ذلك : أن يقال : إن الله عم بالقول كل همزة لمزة ، كل من كان بالصفة التي وصف هذا الموصوف بها ، سبيله سبيله كائنا من كان من الناس . وقوله : الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ يقول : الذي جمع مالا وأحصى عدده ، ولم ينفقه في سبيل الله ، ولم يؤد حق الله فيه ، ولكنه جمعه فأوعاه وحفظه . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه من قراء أهل المدينة أبو جعفر ، وعامة قراء الكوفة سوى عاصم : " جمع " بالتشديد ، وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والحجاز ، سوى أبي جعفر وعامة قراء البصرة ، ومن الكوفة عاصم ، " جمع " بالتخفيف ، وكلهم مجمعون على تشديد الدال من عَدَّدَهُ على الوجه الذي ذكرت من تأويله . وقد ذكر عن بعض المتقدمين بإسناد غير ثابت ، أنه قرأه : " جمع مالا وعدده " بتخفيف الدال ، بمعنى : جمع مالا ، وجمع عشيرته وعدده . هذه قراءة لا أستجيز القراءة بها ، بخلافها قراءة الأمصار ، وخروجها عما عليه الحجة مجمعة في ذلك . وأما قوله : جَمَعَ مالًا فإن التشديد والتخفيف فيهما صوابان ، لأنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار ، متقاربتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقوله : يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ يقول : يحسب أن ماله الذي جمعه وأحصاه ، وبخل بإنفاقه ، مخلده