محمد بن جرير الطبري
17
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فالواجب أن يقال كما أخبر إذ لم يخبرنا في كتابه ، ولا على لسان رسوله ، أنه عنى بذلك نوعا من أنواع الصواب ، والظاهر محتمل جميعه . القول في تأويل قوله تعالى : ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ . . . يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً يقول تعالى ذكره : ذلِكَ الْيَوْمُ يعني : يوم القيامة ، وهو يوم يقوم الروح والملائكة صفا الْحَقُّ يقول : إنه حق كائن ، لا شك فيه . وقوله : فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً يقول : فمن شاء من عباده اتخذ بالتصديق بهذا اليوم الحق ، والاستعداد له ، والعمل بما فيه النجاة له من أهواله مَآباً يعني : مرجعا ؛ وهو مفعل ، من قولهم : آب فلان من سفره ، كما قال عبيد : وكل ذي غيبة يؤوب * وغائب الموت لا يؤوب وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً قال : اتخذوا إلى الله مآبا بطاعته ، وما يقربهم إليه . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة إِلى رَبِّهِ مَآباً قال : سبيلا . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان مَآباً يقول : مرجعا منزلا . وقوله : إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يقول : إنا حذرناكم أيها الناس عذابا قد دنا منكم وقرب . وذلك يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ المؤمن ما قَدَّمَتْ يَداهُ من خير اكتسبه في الدنيا ، أو شرك سلفه ، فيرجو ثواب الله على صالح أعماله ، ويخاف عقابه على سيئها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن مبارك ، عن الحسن يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ قال : المرء المؤمن يحذر الصغيرة ، ويخاف الكبيرة . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن محمد بن جحادة ، عن الحسن يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ قال : المرء المؤمن . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن محمد بن جحادة ، عن الحسن ، في قوله : يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ قال : المرء المؤمن . وقوله : وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً يقول تعالى ذكره : ويقول الكافر يومئذ تمنيا لما يلقى من عذاب الله الذي أعده لأصحابه الكافرين به : يا ليتني كنت ترابا ، كالبهائم التي جعلت ترابا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا محمد بن جعفر وابن أبي عدي ، قالا : ثنا عوف ، عن أبي المغيرة ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : إذا كان يوم القيامة ، مد الأديم ، وحشر الدواب والبهائم والوحش ، ثم يحصل القصاص بين الدواب ، يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء نطحتها ، فإذا فرغ من القصاص بين الدواب ، قال لها : كوني ترابا ، قال : فعند ذلك يقول الكافر : يا ليتني كنت ترابا . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ؛ قال : وحدثني جعفر بن برقان ، عن يزيد بن الأصم ، عن أبي هريرة ، قال : إن الله يحشر الخلق كلهم ، كل دابة وطائر وإنسان ، يقول للبهائم والطير كونوا ترابا ، فعند ذلك يقول الكافر : يا ليتني كنت ترابا . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا المحاربي عبد الرحمن بن محمد ، عن إسماعيل بن رافع المدني ، عن يزيد بن زياد ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن رجل من الأنصار ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يمضي الليل بين خلقه الجن والإنس والبهائم ، وإنه ليقيد يومئذ الجماء من القرناء ، حتى إذا لم يبق