محمد بن جرير الطبري

187

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قال : إن الله تعالى ذكره سائل كل ذي نعمة فيما أنعم عليه . وكان الحسن وقتادة يقولان : ثلاث لا يسأل عنهن ابن آدم ، وما خلاهن فيه المسألة والحساب ، إلا ما شاء الله : كسوة يواري بها سوأته ، وكسرة يشد بها صلبه ، وبيت يظله . والصواب من القول في ذلك : أن يقال : إن الله أخبر أنه سائل هؤلاء القوم عن النعيم ، ولم يخصص في خبره أنه سائلهم عن نوع من النعيم دون نوع ، بل عم بالخبر في ذلك عن الجميع ، فهو سائلهم كما قال عن جميع النعيم ، لا عن بعض دون بعض . آخر تفسير سورة ألهاكم [ تفسير سورة العصر ] القول في تأويل قوله تعالى : وَالْعَصْرِ . . . إِلَّا الَّذِينَ اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : وَالْعَصْرِ فقال بعضهم : هو قسم أقسم ربنا تعالى ذكره بالدهر ، فقال : العصر : هو الدهر . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله : وَالْعَصْرِ قال : العصر : ساعة من ساعات النهار . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الحسن وَالْعَصْرِ قال : هو العشي . والصواب من القول في ذلك : أن يقال : إن ربنا أقسم بالعصر وَالْعَصْرِ اسم للدهر ، وهو العشي والليل والنهار ، ولم يخصص مما شمله هذا الاسم معنى دون معنى ، فكل ما لزمه هذا الاسم ، فداخل فيما أقسم به جل ثناؤه . وقوله : إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ يقول : إن ابن آدم لفي هلكة ونقصان . وكان علي رضي الله عنه يقرأ ذلك : وإن الإنسان لفي خسر ، وإنه فيه إلى آخر الدهر . حدثني ابن عبد الأعلى بن واصل ، قال : ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ، قال : أخبرنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو ذي مر ، قال : سمعت عليا رضي الله عنه يقرأ هذا الحرف : " والعصر ونوائب الدهر ، إن الإنسان لفي خسر ، وإنه فيه إلى آخر الدهر " . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ففي بعض القراءات : " وإنه فيه إلى آخر الدهر " . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو ذي مر ، أن عليا رضي الله عنه قرأها : " والعصر ونوائب الدهر ، إن الإنسان لفي خسر " . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إلا من آمن . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يقول : إلا الذين صدقوا الله ووحدوه ، وأقروا له بالوحدانية والطاعة ، وعملوا الصالحات ، وأدوا ما لزمهم من فرائضه ، واجتنبوا ما نهاهم عنه من معاصيه ، واستثنى الذين آمنوا عن الإنسان ، لأن الإنسان بمعنى الجمع ، لا بمعنى الواحد . وقوله : وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ يقول : وأوصى بعضهم بعضا بلزوم العمل بما أنزل الله في كتابه ، من أمره ، واجتناب ما نهى عنه فيه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قالا أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ والحق : كتاب الله . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الحسن وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ قال : الحق كتاب الله . حدثني عمران بن بكار