محمد بن جرير الطبري
158
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
في معنى الجمع ، لأنه بمعنى الجنس ، كما قيل : وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ قالوا : وكذلك جاز أن يقال : ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ فيضاف أفعل إلى جماعة ، وقالوا : ولو كان مقصودا به قصد واحد بعينه ، لم يجز ذلك ، كما لا يقال : هذا أفضل قائمين ، ولكن يقال : هذا أفضل قائم ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن سعيد بن سابق ، عن عاصم الأحول ، عن عكرمة ، قال : من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر ، ثم قرأ : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قال : لا يكون حتى لا يعلم من بعد علم شيئا . فعلى هذا التأويل لا يكون حتى لا يعلم من بعد علم شيئا قوله : ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ لخاص من الناس ، غير داخل فيهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، لأنه مستثنى منهم . وقال آخرون : بل الذين آمنوا وعملوا الصالحات قد يدخلون في الذين ردوا إلى أسفل سافلين ، لأن أرذل العمر قد يرد إليه المؤمن والكافر . قالوا : وإنما استثنى قوله : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ من معنى مضمر في قوله : ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ قالوا : ومعناه : ثم رددناه أسفل سافلين ، فذهبت عقولهم وخرفوا ، وانقطعت أعمالهم ، فلم تثبت لهم بعد ذلك حسنة . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فإن الذي كانوا يعملونه من الخير ، في حال صحة عقولهم ، وسلامة أبدانهم ، جار لهم بعد هرمهم وخرفهم . وقد يحتمل أن يكون قوله : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ استثناء منقطعا ، لأنه يحسن أن يقال : ثم رددناه أسفل سافلين ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، لهم أجر غير ممنون ، بعد أن يرد أسفل سافلين . ذكر من قال معنى هذا القول : حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ قال : فأيما رجل كان يعمل عملا صالحا وهو قوي شاب ، فعجز عنه ، جرى له أجر ذلك العمل حتى يموت . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثنى أبي ، قال : ثني عمى ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ يقول : إذا كان يعمل بطاعة الله في شبيبته كلها ، ثم كبر حتى ذهب عقله ، كتب له مثل عمله الصالح ، الذي كان يعمل في شبيبته ، ولم يؤاخذ بشيء مما عمل في كبره ، وذهاب عقله ، من أجل أنه مؤمن ، وكان يطيع الله في شبيبته . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، عن حماد ، عن إبراهيم ، في قوله : ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ قال : إلى أرذل العمر ، فإذا بلغ المؤمن إلى أرذل العمر ، كتب له كأحسن ما كان يعمل في شبابه وصحته ، فهو قوله : فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن حماد ، عن إبراهيم ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فإنه يكتب له من الأجر ، مثل ما كان يعمل في الصحة . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن حماد بن أبي سليمان ، عن إبراهيم ، مثله . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن حماد ، عن إبراهيم إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قال : إذا بلغ من الكبر ما يعجز عن العمل ، كتب له ما كان يعمل . وقال آخرون : بل معنى ذلك : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فإنه يكتب لهم حسناتهم ويتجاوز لهم عن سيئاتهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عمرو ، عن عاصم ، عن أبي رزين عن ابن عباس ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قال : هم الذين أدركهم الكبر ، لا يؤاخذون بعمل عملوه في كبرهم ، وهم هرمى لا يعقلون .