محمد بن جرير الطبري

147

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

[ تفسير سورة الضحى ] القول في تأويل قوله تعالى : وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ . . . يَتِيماً فَآوى أقسم ربنا جل ثناؤه بالضحى ، وهو النهار كله ، وأحسب أنه من قولهم : ضحي فلان للشمس : إذا ظهر منه ؛ ومنه قوله : وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى أي لا يصيبك فيها الشمس . وقد ذكرت اختلاف أهل العلم في معناه ، في قوله : وَالشَّمْسِ وَضُحاها مع ذكري اختيارنا فيه . وقيل : عني به وقت الضحى . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَالضُّحى ساعة من ساعات النهار . وقوله : وَاللَّيْلِ إِذا سَجى اختلف أهل التأويل في تأويله ، فقال بعضهم : معناه : والليل إذا أقبل بظلامه . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس وَاللَّيْلِ إِذا سَجى يقول : والليل إذا أقبل . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الحسن ، في قول الله : وَاللَّيْلِ إِذا سَجى قال : إذا لبس الناس ، إذا جاء . وقال آخرون : بل معنى ذلك : إذا ذهب . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس وَاللَّيْلِ إِذا سَجى يقول : إذا ذهب . وقال آخرون : معناه : إذا استوى وسكن . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ؛ وحدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع جميعا ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد وَاللَّيْلِ إِذا سَجى قال : إذا استوى . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد وَاللَّيْلِ إِذا سَجى قال : إذا استوى حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَاللَّيْلِ إِذا سَجى سكن بالخلق . حدثنا عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول ، في قوله : وَاللَّيْلِ إِذا سَجى يعني : استقراره وسكونه . حدثني يونس ، قال : أخبرني ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَاللَّيْلِ إِذا سَجى قال : إذا سكن ، قال : ذلك سجوه ، كما يكون سكون البحر سجوه . وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي في ذلك قول من قال معناه : والليل إذا سكن بأهله ، وثبت بظلامه ، كما يقال : بحر ساج : إذا كان ساكنا ؛ ومنه قول أعشى بني ثعلبة : فما ذنبنا إن جاش بحر ابن عمكم * وبحرك ساج ما يواري الدعامصا وقول الراجز : يا حبذا القمراء والليل الساج * وطرق مثل ملاء النساج وقوله : ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى وهذا جواب القسم ، ومعناه : ما تركك يا محمد ربك وما أبغضك . وقيل : وَما قَلى ومعناه ، وما قلاك ، اكتفاء بفهم السامع لمعناه ، إذ كان قد تقدم ذلك قوله : ما وَدَّعَكَ فعرف بذلك أن المخاطب به نبي الله صلى الله عليه وسلم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر