محمد بن جرير الطبري

137

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وَآخِرُ دَعْواهُمْ بمعنى : وآخر دعائهم . وقوله : إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها يقول : إذ ثار أشقى ثمود ، وهو قدار بن سالف ، كما : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا الطفاوي ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عبد الله بن زمعة ، قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر في خطبته الناقة ، والذي عقرها ، فقال : " إذا نبعث أشقاها : انبعث لها رجل عزيز عارم ، منيع في رهطه ، مثل أبي زمعة " . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قالا : ثنا سعيد ، عن قتادة ، في قوله إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها يعني أحيمر ثمود . وقوله : فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ يعني بذلك جل ثناؤه : صالحا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لثمود صالح : ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها احذروا ناقة الله وسقياها ، وإنما حذرهم سقيا الناقة ، لأنه كان تقدم إليهم عن أمر الله ، أن للناقة شرب يوم ، ولهم شرب يوم آخر ، غير يوم الناقة ، على ما قد بينت فيما مضى قبل ، وكما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها قسم الله الذي قسم لها من هذا الماء . وقوله : فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها يقول : فكذبوا صالحا في خبره الذي أخبرهم به ، من أن الله الذي جعل شرب الناقة يوما ، ولهم شرب يوم معلوم ، وأن الله يحل بهم نقمته ، إن هم عقروها ، كما وصفهم جل ثناؤه فقال : كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ وقد يحتمل أن يكون التكذيب بالعقر . وإذا كان ذلك كذلك ، جاز تقديم التكذيب قبل العقر ، والعقر قبل التكذيب ، وذلك أن كل فعل وقع عن سبب حسن ابتداؤه قبل السبب وبعده ، كقول القائل : أعطيت فأحسنت ، وأحسنت فأعطيت ، لأن الإعطاء : هو الإحسان ، ومن الإحسان الإعطاء ، وكذلك لو كان العقر هو سبب التكذيب ، جاز تقديم أي ذلك شاء المتكلم . وقد زعم بعضهم أن قوله : فَكَذَّبُوهُ كلمة مكتفية بنفسها ، وأن قوله : فَعَقَرُوها جواب لقوله : إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها كأنه قيل : إذ انبعث أشقاها فعقرها ، فقال : وكيف ؟ قيل فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها وقد كان القوم قبل قتل الناقة مسلمين ، لها شرب يوم ، ولهم شرب يوم آخر . قيل : جاء الخبر أنهم بعد تسليمهم ذلك ، أجمعوا على منعها الشرب ، ورضوا بقتلها ، وعن رضا جميعهم قتلها قاتلها ، وعقرها من عقرها ولذلك نسب التكذيب والعقر إلى جميعهم ، فقال جل ثناؤه : فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها . وقوله : فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها يقول تعالى ذكره : فدمر عليهم ربهم بذنبهم ذلك ، وكفرهم به ، وتكذيبهم رسوله صالحا ، وعقرهم ناقته فَسَوَّاها يقول : فسوى الدمدمة عليهم جميعهم ، فلم يفلت منهم أحد ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها ذكر لنا أن أحيمر ثمود أبى أن يعقرها ، حتى بايعه صغيرهم وكبيرهم ، وذكرهم وأنثاهم ، فلما اشترك القوم في عقرها دمدم الله عليهم بذنبهم فسواها . حدثني بشر بن آدم ، قال : ثنا قتيبة ، قال : ثنا أبو هلال ، قال : سمعت الحسن يقول : لما عقروا الناقة طلبوا فصيلها ، فصار في قارة الجبل ، فقطع الله قلوبهم . وقوله : وَلا يَخافُ عُقْباها اختلف أهل التأويل في معنى ذلك ، فقال بعضهم : معناه : لا يخاف تبعة دمدمته عليهم . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَلا يَخافُ عُقْباها قال : لا يخاف الله من أحد تبعة . حدثني إبراهيم بن المستمر ، قال : ثنا عثمان بن عمرو ، قال : ثنا عمر بن مرثد ، عن الحسن ، في قوله : وَلا يَخافُ عُقْباها قال : ذاك ربنا تبارك وتعالى ، لا يخاف تبعة مما صنع بهم . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن عمرو بن منبه ، هكذا هو في كتابي ، سمعت الحسن قرأ : وَلا يَخافُ عُقْباها قال : ذلك الرب صنع ذلك بهم ، ولم يخف تبعة .