محمد بن جرير الطبري
113
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عليه ظاهر التنزيل : قول من قال : عني بذلك أنهم كانوا أهل عمود سيارة ، لأن المعروف في كلام العرب من العماد ، ما عمد به الخيام من الخشب ، والسواري التي يحمل عليها البناء ، ولا يعلم بناء كان لهم بالعماد بخبر صحيح ، بل وجه أهل التأويل قوله : ذاتِ الْعِمادِ إلى أنه عني به طول أجسامهم ، وبعضهم إلى أنه عني به عماد خيامهم ، فأما عماد البنيان ، فلا يعلم كثير أحد من أهل التأويل وجهه إليه ، وتأويل القرآن إنما يوجه إلى الأغلب الأشهر من معانيه ، ما وجد إلى ذلك سبيل ، دون الأنكر . وقوله : الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ يقول جل ثناؤه : ألم تر كيف فعل ربك بعاد ، إرم التي لم يخلق مثلها في البلاد ، يعني : مثل عاد ، والهاء عائدة على عاد . وجائز أن تكون عائدة على إرم ، لما قد بينا قبل أنها قبيلة . وإنما عني بقوله : لم يخلق مثلها في العظم والبطش والأيد . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ ذكر أنهم كانوا اثني عشر ذراعا طولا في السماء . وقال آخرون : بل معنى ذلك : ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد ، لم يخلق مثل الأعمدة في البلاد ، وقالوا : التي لم يخلق مثلها من صفة ذات العماد ، والهاء التي في مثلها إنما هي من ذكر ذات العماد . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله ، فذكر نحوه . وهذا . . . لم يخلق مثل الأعمدة في البلاد . . . قول لا وجه له ، لأن العماد واحد مذكر ، والتي للأنثى ، ولا يوصف المذكر بالتي ، ولو كان ذلك من صفة العماد لقيل : الذي لم يخلق مثله في البلاد ، وإن جعلت التي لإرم ، وجعلت الهاء عائدة في قوله : مِثْلُها عليها ؛ وقيل : هي دمشق أو إسكندرية ، فإن بلاد عاد هي التي وصفها الله في كتابه فقال : وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ والأحقاف : هي جمع حقف ، وهو ما انعطف من الرمل وانحنى ، وليست الإسكندرية ولا دمشق من بلاد الرمال ، بل ذلك الشحر من بلاد حضرموت ، وما والاها . وقوله : وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ يقول : وبثمود الذي خرقوا الصخر ودخلوه ، فاتخذوه بيوتا ، كما قال جل ثناؤه وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ والعرب تقول : جاب فلان الفلاة يجوبها جوبا : إذا دخلها وقطعها ؛ ومنه قول نابغة : أتاك أبو ليلى يجوب به الدجى * دجى الليل جواب الفلاة عميم يعني بقوله : يجوب : يدخل ويقطع . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله : وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ يقول : فخرقوها . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ يعني : ثمود قوم صالح ، كانوا ينحتون من الجبال بيوتا . حدثني محمد بن عمارة ، قال : ثنا عبيد الله بن موسى ، قال : أخبرنا إسرائيل ، عن أبي يحيى ، عن مجاهد في قوله : الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ قال : جابوا الجبال ، فجعلوها بيوتا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ جابوها ونحتوها بيوتا . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : جابُوا الصَّخْرَ قال : نقبوا الصخر . حدثنا عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ يقول : قدوا الحجارة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال