محمد بن جرير الطبري

104

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

راضِيَةٌ والمعنى : لثواب سعيها في الآخرة راضية . وقوله : فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ وهي بستان ، عالية : يعني رفيعة . وقوله : لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً يقول : لا تسمع هذه الوجوه ، المعنى لأهلها ، فيها في الجنة العالية لاغية . يعني باللاغية : كلمة لغو . واللغو : الباطل ، فقيل للكلمة التي هي لغو لاغية ، كما قيل لصاحب الدرع : دارع ، ولصاحب الفرس : فارس ، ولقائل الشعر شاعر ؛ وكما قال الحطيئة : أغررتني وزعمت أنك * لابن بالصيف تأمر يعني : صاحب لبن ، وصاحب تمر . وزعم بعض الكوفيين أن معنى ذلك : لا تسمع فيها حالفة على الكذب ، ولذلك قيل لاغية ؛ ولهذا الذي قاله مذهب ووجه ، لولا أن أهل التأويل من الصحابة والتابعين على خلافه ، وغير جائز لأحد خلافهم فيما كانوا عليه مجمعين . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً يقول : لا تسمع أذى ولا باطلا . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً قال : شتما . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً لا تسمع فيها باطلا ، ولا شاتما . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، مثله . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الكوفة وبعض قراء المدينة وهو أبو جعفر لا تَسْمَعُ بفتح التاء ، بمعنى : لا تسمع الوجوه . وقرأ ذلك ابن كثير ونافع وأبو عمرو : " لا تسمع " بضم التاء ، بمعنى ما لم يسم فاعله ، ويؤنث تسمع ، لتأنيث لاغية . وقرأ ابن محيصن بالضم أيضا ، غير أنه كان يقرأها بالياء ، على وجه التذكير . والصواب من القول في ذلك عندي ، أن كل ذلك قراءات معروفات صحيحات المعاني ، فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب . وقوله : فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ يقول : في الجنة العالية عين جارية في غير أخدود . وقوله : فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ والسرر : جمع سرير ، مرفوعة ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من النعيم والملك فيها ، ويلحق جميع ذلك بصره . وقيل : عني بقول مرفوعة : موضونة . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ يعني : موضونة ، كقوله : سرر مصفوفة ، بعضها فوق بعض . وقوله : وَأَكْوابٌ وهي جمع كوب ، وهي الأباريق التي لا آذان لها . وقد بينا ذلك فيما مضى ، وذكرنا ما فيه من الرواية ، بما أغنى عن إعادته . وعني بقوله : مَوْضُوعَةٌ أنها موضوعة على حافة العين الجارية ، كلما أرادوا الشرب ، وجدوها ملأى من الشراب . وقوله : وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ يعني بالنمارق : الوسائد والمرافق ؛ والنمارق : واحدها نمرقة ، بضم النون . وقد حكي عن بعض كلب سماعا نمرقة ، بكسر النون والراء . وقيل : مصفوفة لأن بعضها بجنب بعض . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ يقول : المرافق . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ يعني بالنمارق : المجالس حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ،