محمد بن جرير الطبري

88

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بالإيمان به ، والعمل بطاعته . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ يعني القرآن فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا بطاعة الله . وقوله : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم أقرب من ثلثي الليل مصليا ، ونصفه وثلثه . اختلف القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة بالخفض ؛ ونصفه وثلثه بمعنى : وأدنى من نصفه وثلثه ، إنكم لم تطيقوا العمل بما افترض عليكم من قيام الليل ، فقوموا أدنى من ثلثي الليل ومن نصفه وثلثه . وقرأ ذلك بعض قراء مكة وعامة قراء الكوفة بالنصب ، بمعنى : إنك تقوم أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصفه وثلثه . والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقوله : وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ يعني من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا مؤمنين بالله حين فرض عليهم قيام الليل . وقوله : وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ بالساعات والأوقات . وقوله : عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ يقول : علم ربكم أيها القوم الذين فرض عليهم قيام الليل أن لن تطيقوا قيامه . فتاب عليكم إذ عجزتم وضعفتم عنه ورجع بكم إلى التخفيف عنكم وبنحو الذي قلنا في معنى قوله أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا هشيم ، عن عباد بن راشد ، عن الحسن عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ أن لن تحصوه . حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرني به عباد بن راشد ، قال : سمعت الحسن يقول في قوله عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ قال : لن تطيقوه . حدثنا عن ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن جعفر ، عن سعيد عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ يقول : أن لن تطيقوه . حدثنا عن ابن حميد قال ثنا مهران ، عن سفيان عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ قال : أن لن تطيقوه . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، قال : ثنا عطاء بن السائب ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خلتان لا يحصيهما رجل مسلم إلا أدخلتاه الجنة ، وهما يسير ، ومن يعمل بهما قليل ، يسبح الله في دبر كل صلاة عشرا ، ويحمده عشرا ، ويكبره عشرا " قال : فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقدها بيده ، قال : " فتلك خمسون ومئة باللسان ، وألف وخمس مئة في الميزان ؛ وإذا أوى إلى فراشه سبح وحمد وكبر مئة ، قال : فتلك مئة باللسان ، وألف في الميزان ، فأيكم يعمل في اليوم الواحد ألفين وخمس مئة سيئة ؟ " قالوا : فكيف لا نحصيهما ؟ قال : " ويأتي أحدكم الشيطان وهو في صلاته فيقول : اذكر كذا ، اذكر كذا حتى ينفتل ، ولعله لا يعقل ، ويأتيه وهو في مضجعه فلا يزال ينومه حتى ينام " . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا أبو نعيم ، عن سفيان ، عن عطاء بن السائب ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ قيام الليل كتب عليكم فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ . فَتابَ عَلَيْكُمْ إذ عجزتم وضعفتم عنه ، ورجع بكم إلى التخفيف عنكم . وقوله : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ يقول : فاقرءوا من الليل ما تيسر لكم من القرآن في صلاتكم ؛ وهذا تخفيف من الله عز وجل عن عباده فرضه الذي كان فرض عليهم بقوله : قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن أبي رجاء محمد ، قال . قلت للحسن : يا أبا سعيد ما تقول في رجل قد استظهر القرآن كله عن ظهر قلبه ، فلا يقوم به ، إنما يصلي المكتوبة ، قال : يتوسد القرآن ، لعن الله ذاك ؛ قال الله للعبد الصالح : وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ