محمد بن جرير الطبري
46
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا قال : هذا حين كان يأمره بالعفو عنهم لا يكافئهم ، فلما امر بالجهاد والغلظة عليهم أمر بالشدة والقتل حتى يتركوا ، ونسخ هذا . وهذا الذي قاله ابن زيد أنه كان أمر بالعفو بهذه الآية ، ثم نسخ ذلك قول لا وجه له ، لأنه لا دلالة على صحة ما قال من بعض الأوجه التي تصح منها الدعاوي ، وليس في أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم في الصبر الجميل على أذى المشركين ما يوجب أن يكون ذلك أمرا منه له به في بعض الأحوال ، بل كان ذلك أمرا من الله له به في كل الأحوال ، لأنه لم يزل صلى الله عليه وسلم من لدن بعثه الله إلى أن اخترمه في أذى منهم ، وهو في كل ذلك صابر على ما يلقى منهم من أذى قبل أن يأذن الله له بحربهم ، وبعد إذنه له بذلك . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ . . . يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ . . . يُبَصَّرُونَهُمْ يقول تعالى ذكره : إن هؤلاء المشركين يرون العذاب الذي سألوا عنه ، الواقع عليهم بعيدا وقوعه ، وإنما أخبر جل ثناؤه أنهم يرون ذلك بعيدا ، لأنهم كانوا لا يصدقون به ، وينكرون البعث بعد الممات ، والثواب والعقاب ، فقال : إنهم يرونه غير واقع ، ونحن نراه قريبا ، لأنه كائن ، وكل ما هو آت قريب . والهاء والميم من قوله : إِنَّهُمْ من ذكر الكافرين ، والهاء من قوله : يَرَوْنَهُ من ذكر العذاب . وقوله : يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ يقول تعالى ذكره : يوم تكون السماء كالشيئ المذاب ، وقد بينت معنى المهل فيما مضى بشواهده ، واختلاف المختلفين فيه ، وذكرنا ما قال فيه السلف ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ قال : كعكر الزيت . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ تتحول يومئذ لونا آخر إلى الحمرة . وقوله : وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ يقول : وتكون الجبال كالصوف . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد كَالْعِهْنِ قال : كالصوف . حدثني ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : كَالْعِهْنِ قال : كالصوف . وقوله : وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يقول تعالى ذكره : ولا يسأل قريب قريبه عن شأنه لشغله بشأن نفسه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال ؛ ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يشغل كل إنسان بنفسه عن الناس . وقوله : يُبَصَّرُونَهُمْ اختلف أهل التأويل في الذين عنوا بالهاء والميم في قوله يُبَصَّرُونَهُمْ فقال بعضهم : عني بذلك الأقرباء انهم يعرفون أقربائهم ، ويعرف كل إنسان قريبه ، فذلك تبصير الله إياهم . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : يُبَصَّرُونَهُمْ قال : يعرف بعضهم بعضا ، ويتعارفون بينهم ، ثم يفر بعضهم من بعض ، يقول : لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ حدثني بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة يُبَصَّرُونَهُمْ يعرفونهم يعلمون ، والله ليعرفن قوم قوما ، وأناس أناسا . وقال آخرون : بل عني بذلك المؤمنون أنهم يبصرون الكفار . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد