محمد بن جرير الطبري
149
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
من الذنوب . فإن قال قائل : وكيف قيل : هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وقد علمت بخبر الله عنهم أنهم يقولون : رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها وأنهم يقولون : رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ في نظائر ذلك مما أخبر الله ورسوله عنهم أنهم يقولونه ؟ قيل : إن ذلك في بعض الأحوال دون بعض . وقوله : هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ يخبر عنهم أنهم لا ينطقون في بعض أحوال ذلك اليوم ، لا أنهم لا ينطقون ذلك اليوم كله . فإن قال : فهل من برهان يعلم به حقيقة ذلك ؟ قيل : نعم ، وذلك إضافة يوم إلى قوله : لا يَنْطِقُونَ والعرب لا تضيف اليوم إلى فعل يفعل ، إلا إذا أرادت الساعة من اليوم والوقت منه ، وذلك كقولهم : آتيك يوم يقدم فلان ، وأتيتك يوم زارك أخوك ، فمعلوم أن معنى ذلك : أتيتك ساعة زارك ، أو آتيك ساعة يقدم ، وأنه لم يكن إتيانه إياه اليوم كله ، لأن ذلك لو كان أخذ اليوم كله لم يضف اليوم إلى فعل ويفعل ، ولكن فعل ذلك إذ كان اليوم بمعنى إذ وإذا اللتين يطلبان الأفعال دون الأسماء . وقوله : فَيَعْتَذِرُونَ رفعا عطفا على قوله : وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ وإنما اختير ذلك على النصب وقبله جحد ، لأنه رأس آية قرن بينه وبين سائر رؤوس الآيات التي قبلها ، ولو كان جاء نصبا كان جائزا ، كما قال : لا يقضى عليهم فيموتوا ، وكل ذلك جائز فيه ، أعني الرفع والنصب ، كما قيل : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ * رفعا ونصبا . وقوله وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يقول تعالى ذكره : ويل يومئذ للمكذبين بخبر الله عن هؤلاء القوم ، وما هو فاعل بهم يوم القيامة . وقوله : هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ يقول تعالى ذكره لهؤلاء المكذبين بالبعث يوم يبعثون : هذا يوم الفصل الذي يفصل الله فيه بالحق بين عباده جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ يقول : جمعناكم فيه لموعدكم الذي كنا نعدكم في الدنيا الجمع فيه بينكم وبين سائر من كان قبلكم من الأمم الهالكة ، فقد وفينا لكم بذلك . فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ يقول : والله منجز لكم ما وعدكم في الدنيا من العقاب على تكذيبكم إياه بأنكم مبعوثون لهذا اليوم إن كانت لكم حيلة تحتالونها في التخلص من عقابه اليوم فاحتالوا . وقوله : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يقول : ويل يومئذ للمكذبين بهذا الخبر . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ وَفَواكِهَ مِمَّا . . . لِلْمُكَذِّبِينَ يقول تعالى ذكره : إن الذين اتقوا عقاب الله بأداء فرائضه في الدنيا ، واجتناب معاصيه فِي ظِلالٍ ظليلة ، وكن كنين ، لا يصيبهم أذى حر ولا قر ، إذ كان الكافرون بالله في ظل ذي ثلاث شعب ، لا ظليل ولا يغني من اللهب وَعُيُونٍ أنهار تجري خلال أشجار جناتهم . وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ يأكلون منها كلما اشتهوا لا يخافون ضرها ، ولا عاقبة مكروهها . وقوله : كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يقول تعالى ذكره : يقال لهم : كلوا أيها القوم من هذه الفواكه ، واشربوا من هذه العيون كلما اشتهيتم هَنِيئاً يقول : لا تكدير عليكم ، ولا تنغيص فيما تأكلونه وتشربون منه ، ولكنه لكم دائم لا يزول ، ومريء لا يورثكم أذى في أبدانكم . وقوله : بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يقول جل ثناؤه يقال لهم : هذا جزاء بما كنتم في الدنيا تعملون من طاعة الله ، وتجتهدون فيما يقربكم منه . وقوله : إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ يقول : إنا كما جزينا هؤلاء المتقين بما وصفنا من الجزاء على طاعتهم إيانا في الدنيا ، كذلك نجزي ونثيب أهل الإحسان في طاعتهم إيانا وعبادتهم لنا في الدنيا على إحسانهم لا نضيع في الآخرة أجرهم . وقوله : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يقول : ويل للذين يكذبون خبر الله عما أخبرهم به من تكريمه هؤلاء المتقين بما أكرمهم به يوم القيامة . القول في تأويل قوله تعالى : كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ . . . لِلْمُكَذِّبِينَ يقول تعالى ذكره تهددا ووعيدا منه للمكذبين بالبعث كلوا في بقية آجالكما ، وتمتعوا ببقية أعماركم إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ مسنون بكم سنة من قبلكم من مجرمي الأمم الخالية التي متعت بأعمارها إلى بلوغ