محمد بن جرير الطبري
130
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
على هؤلاء الأبرار بإطعامهم هؤلاء تقربا بذلك إلى الله وطلب رضاه ، ورحمة منهم لهم . واختلف أهل العلم في الأسير الذي ذكره الله في هذا الموضع ، فقال بعضهم : بما : حدثنا به بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد عن قتادة قوله : وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً قال : لقد أمر الله بالأسراء أن يحسن إليهم ، وإن أسراهم يومئذ لأهل الشرك . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر عن قتادة وَأَسِيراً قال : كان أسراهم يومئذ المشرك ، وأخوك المسلم أحق أن تطعمه . قال : ثنا المعتمر ، عن أبيه ، عن أبي عمرو أن عكرمة قال في قوله : وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً زعم أنه قال : كان الأسرى في ذلك الزمان المشرك . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا حماد بن مسعدة ، قال : ثنا أشعث عن الحسن وَيَتِيماً وَأَسِيراً قال : ما كان أسراهم إلا المشركين . وقال آخرون : عني بذلك : المسجون من أهل القبلة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : الأسير : المسجون . حدثني أبو شيبة بن أبي شيبة ، قال : ثنا عمر بن حفص ، قال : ثني أبي عن حجاج ، قال : ثني عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير في قول الله : مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً من أهل القبلة وغيرهم ، فسألت عطاء فقال مثل ذلك . حدثني علي بن سهل الرملي ، ثنا يحيى يعني ابن عيسى ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وَأَسِيراً قال : الأسير : هو المحبوس . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله . والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله وصف هؤلاء الأبرار بأنهم كانوا في الدنيا يطعمون الأسير ، والأسير الذي قد وصفت صفته ؛ واسم الأسير قد يشتمل على الفريقين ، وقد عم الخبر عنهم أنهم يطعمونهم ، فالخبر على عمومه حتى يخصه ما يجب التسليم له . وأما قول من قال : لم يكن لهم أسير يومئذ إلا أهل الشرك ، فإن ذلك وإن كان كذلك ، فلم يخصص بالخبر الموفون بالنذر يومئذ ، وإنما هو خبر من الله عن كل من كانت هذه صفته يومئذ وبعده إلى يوم القيامة ، وكذلك الأسير معني به أسير المشركين والمسلمين يومئذ ، وبعد ذلك إلى قيام الساعة . وقوله : إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ يقول تعالى ذكره : يقولون : إنما نطعمكم إذا هم أطعموهم لوجه الله ، يعنون طلب رضا الله ، والقربة إليه . لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً يقولون للذين يطعمونهم ذلك الطعام : لا نريد منكم أيها الناس على إطعامناكم ثوابا وَلا شُكُوراً وفي قوله : وَلا شُكُوراً وجهان من المعنى : أحدهما أن يكون جمع الشكر كما الفلوس جمع فلس ، والكفور جمع كفر . والآخر : أن يكون مصدرا واحدا في معنى جمع ، كما يقال : قعد قعودا ، وخرج خروجا . وقد : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن سالم عن مجاهد إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً قال : أما إنهم ما تكلموا به ، ولكن علمه الله من قلوبهم ، فأثنى به عليهم ليرغب في ذلك راغب . حدثنا محمد بن سنان القزاز ، قال : ثنا موسى بن إسماعيل ، قال : ثنا محمد بن مسلم بن أبي الوضاح ، عن سالم عن سعيد بن جبير إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً قال : أما والله ما قالوه بألسنتهم ، ولكن علمه الله من قلوبهم ، فأثنى عليهم ليرغب في ذلك راغب . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ يقول تعالى ذكره مخبرا عن هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم أنهم يقولون لمن أطعموه من أهل الفاقة والحاجة : ما نطعمكم طعاما نطلب منكم عوضا على إطعامناكم جزاء ولا شكورا ، ولكنا نطعمكم رجاء منا أن يؤمننا ربنا من عقوبته في يوم شديد هوله ، عظيم أمره ،