محمد بن جرير الطبري

108

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

من أنه سحر يؤثر ، وأنه قول البشر ، ولكنه تذكرة من الله لخلقه ، ذكرهم به . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ أي القرآن . وقوله : فَمَنْ شاءَ يقول تعالى ذكره : فمن شاء من عباد الله الذين ذكرهم الله بهذا القرآن ذكره ، فاتعظ فاستعمل ما فيه من أمر الله ونهيه . وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ يقول تعالى ذكره : وما يذكرون هذا القرآن فيتعظون به ، ويستعملون فيه ، إلا أن يشاء الله أن يذكروه ، لأنه لا أحد يقدر على شيء إلا بأن يشاء الله يقدره عليه ، ويعطيه القدرة عليه . وقوله : هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ يقول تعالى ذكره : الله أهل أن يتقي عباده عقابه على معصيتهم إياه ، فيجتنبوا معاصيه ، ويسارعوا إلى طاعته ، وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ يقول : هو أهل أن يغفر ذنوبهم إذا هم فعلوا ذلك ، ولا يعاقبهم عليها مع توبتهم منها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ربنا محقوق أن تتقي محارمه ، وهو أهل المغفرة يغفر الذنوب . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ قال : أهل أن تتقي محارمه ، وأهل المغفرة : أهل أن يغفر الذنوب . آخر تفسير سورة المدثر . [ تفسير سورة القيامة ] القول في تأويل قوله تعالى : لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ . . . أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ اختلفت القراء في قراءة قوله : لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ فقرأت ذلك عامة قراء الأمصار : لا أُقْسِمُ " لا " مفصولة من أقسم ، سوى الحسن والأعرج ، فإنه ذكر عنهما أنهما كانا يقرآن ذلك : " لا أقسم بيوم القيامة " بمعنى : أقسم بيوم القيامة ، ثم أدخلت عليها لام القسم . والقراءة التي لا أستجيز غيرها في هذا الموضع " لا " مفصولة ، أقسم مبتدأه على ما عليه قراء الأمصار ، لإجماع الحجة من القراء عليه . وقد اختلف الذين قرءوا ذلك على الوجه الذي اخترنا قراءته في تأويله ، فقال بعضهم " لا " صلة ، وإنما معنى الكلام : أقسم بيوم القيامة . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو هشام الرفاعي ، قال : ثنا ابن يمان ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن جريج عن الحسن بن مسلم بن يناق ، عن سعيد بن جبير لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ قال : أقسم بيوم القيامة حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان عن ابن جريج ، عن الحسن بن مسلم ، عن سعيد بن جبير لا أُقْسِمُ قال : أقسم . وقال آخرون منهم : بل دخلت " لا " توكيدا للكلام . ذكر من قال ذلك : سمعت أبا هشام الرفاعي يقول : سمعت أبا بكر بن عياش يقول : قوله : لا أُقْسِمُ توكيد للقسم كقوله : لا والله . وقال بعض نحويي الكوفة ، لا رد لكلام قد مضى من كلام المشركين الذين كانوا ينكرون الجنة والنار ، ثم ابتدئ القسم ،