محمد بن جرير الطبري

47

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

إليهم إذا حبسن عنهم وإن هم ردوا المسلمين على صداق من حبسوا عنهم نسائهم النكاح . حدثنا بذلك ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن الزهري . حدثني يونس ، أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ النكاح ولها زوج ثم ، لأنه فرق بينهما الإسلام إذا استبرأتن أرحامهن . وقوله : وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ يقول جل ثناؤه للمؤمنين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تمسكوا أيها المؤمنون بحبال النساء الكوافر وأسبابهن ، والكوافر : جمع كافرة ، والعصم : جمع عصمة ، وهي ما اعتصم به من العقد والسبب ، وهذا نهي من الله للمؤمنين عن الإقدام على نكاح النساء المشركات من أهل الأوثان ، وأمر لهم بفراقهن . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا يحيى بن سعيد القطان ، قال : ثنا عبد الله بن المبارك ، قال أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه نسوة مؤمنات بعد أن كتب كتاب القضية بينه وبين قريش ، فأنزل الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ حتى بلغ بِعِصَمِ الْكَوافِرِ النكاح فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له بالشرك ، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، قال : بلغنا أن آية المحنة التي ماد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كفار قريش من أجل العهد الذي كان بين كفار قريش وبين النبي صلى الله عليه وسلم فكان النبي صلى الله عليه وسلم يرد إلى كفار قريش ما أنفقوا على نسائهم اللاتي يسلمن ويهاجرن ، وبعولتهن كفار للعهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبينهم ، ولو كانوا حربا ليست بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم مدة وعقد لم يرد عليهم شيئا مما أنفقوا ، وحكم الله للمؤمنين على أهل المدة من الكفار بمثل ذلك ، قال الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ حتى بلغ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ فطلق المؤمنون حين أنزلت هذه الآية كل امرأة كافرة كانت تحت رجل منهم النكاح ، فطلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأته امرأة عمر ابنة أبي أمية بن المغيرة من بني مخزوم فتزوجها معاوية بن أبي سفيان ، وابنة جرول من خزاعة امرأة عمر ، فتزوجها أبو جهم بن حذافة العدوي ، وجعل الله ذلك حكما حكم به بين المؤمنين والمشركين في هذه المدة التي كانت . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، قال : وقال الزهري : لما نزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ إلى قوله : وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ النكاح كان ممن طلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأته قريبة ابنة أبي أمية بن المغيرة ، فتزوجها بعده معاوية بن أبي سفيان ، وهما على شركهما بمكة ، وأم كلثوم ابنة جرول الخزاعية أم عبد الله بن عمر فتزوجها أبو جهم بن حذافة بن غانم رجل من قومه ، وهما على شركهما ؛ وطلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو التيمي كانت عنده أروى بنت ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب ، ففرق بينهما الإسلام حين نهى القرآن عن التمسك بعصم الكوافر ، وكان طلحة قد هاجر وهي بمكة على دين قومها ، ثم تزوجها في الإسلام بعد طلحة خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس . وكان ممن فر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نساء الكفار ممن لم يكن بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فحبسها وزوجها رجلا من المسلمين أميمة بنت بشر الأنصارية ، ثم إحدى نساء بني أمية بن زيد من أوس الله ، كانت عند ثابت بن الدحداحة ، ففرت منه ، وهو يومئذ كافر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سهل بن حنيف أحد بني عمرو بن عوف ، فولدت عبد الله بن سهل . حدثني ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الزهري ، قال الله : وَلا تُمْسِكُوا