محمد بن جرير الطبري

38

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

جل ثناؤه : يخرجون الرسول وإياكم من دياركم ، لأن آمنتم بالله . وقوله : إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي من المؤخر الذي معناه التقديم ، ووجه الكلام : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي ، وابتغاء مرضاتي يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ . ويعني بقوله تعالى ذكره : إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي : إن كنتم خرجتم من دياركم ، فهاجرتم منها إلى مهاجركم للجهاد في طريقي الذي شرعته لكم ، وديني الذي أمرتكم به . والتماس مرضاتي . وقوله : تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ يقول تعالى ذكره للمؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : تسرون أيها المؤمنون بالمودة إلى المشركين بالله وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ يقول : وأنا أعلم منكم بما أخفى بعضكم من بعض ، فأسره منه وَما أَعْلَنْتُمْ يقول : وأعلم أيضا منكم ما أعلنه بعضكم لبعض . وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ يقول جل ثناؤه ومن يسر منكم إلى المشركين بالمودة أيها المؤمنون فقد ضل : يقول : فقد جار عن قصد السبيل التي حملها الله طريقا إلى الجنة ومحجة إليها . وذكر أن هذه الآيات من أول هذه السورة نزلت في شأن حاطب بن أبي بلتعة ، وكان كتب إلى قريش بمكة يطلعهم على أمر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخفاه عنهم ، وبذلك جاءت الآثار والرواية عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم . ذكر من قال ذلك : حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري ، والفضل بن الصباح قالا : ثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار عن حسن بن محمد بن علي ، أخبرني عبيد الله بن أبي رافع ، قال : سمعت عليا رضي الله عنه يقول : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير بن العوام والمقداد قال الفضل ؛ قال سفيان : نفر من المهاجرين فقال : " انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ ، فإن لها ظعينة معها كتاب ، فخذوه منها " ؛ فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة ، فوجدنا امرأة ، فقلنا : أخرجي الكتاب ، قالت : ليس معي كتاب ، قلنا : لتخرجن الكتاب ، أو لنلقين الثياب ، فأخرجته من عقاصها ، وأخذنا الكتاب ؛ فانطلقنا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا فيه : من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة ، يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا حاطب ما هذا ؟ " قال : يا رسول الله لا تعجل علي ؛ كنت امرأ ملصقا في قريش ، ولم يكن لي فيهم قرابة ، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات ، يحمون أهليهم بمكة ، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب أن أتخذ فيها يدا يحمون بها قرابتي ، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني ، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قد صدقكم " فقال عمر : يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فقال : " إنه قد شهد بدر ا ، وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " زاد الفضل في حديثه ، قال سفيان : ونزلت فيه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ . . . إلى قوله حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن أبي سنان سعيد بن سنان ، عن عمرو بن مرة الجملي ، عن أبي البختري الطائي ، عن الحرث ، عن علي رضي الله عنه قال : لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي مكة ، أسر إلى ناس من أصحابه النبي صلى الله عليه وسلم أنه يريد مكة ، فيهم حاطب بن أبي بلتعة ، وأفشى في الناس أنه يريد خيبر ، فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة أن النبي صلى الله عليه وسلم يريدكم ، ال : فبعثني النبي صلى الله عليه وسلم وأبا مرثد وليس منا رجل إلا وعنده فرس ، فقال : ائتوا روضة خاخ ، فإنكم ستلقون بها امرأة ومعها كتاب ، فخذوه منها ؛ فانطلقنا حتى رأيناها بالمكان الذي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلنا : هاتي الكتاب ، فقالت : ما معي كتاب ، فوضعنا متاعها وفتشنا ، فلم نجده في متاعها ، فقال أبو مرثد : لعله