محمد بن جرير الطبري
32
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
صحيحتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقوله : بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ يقول جل ثناؤه : عداوة بعض هؤلاء الكفار من اليهود بعضا شديدة تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً يعني المنافقين وأهل الكتاب ، يقول : تظنهم مؤتلفين مجتمعة كلمتهم ، وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى يقول : وقلوبهم مختلفة لمعاداة بعضهم بعضا . وقوله : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ يقول جل ثناؤه : هذا الذي وصفت لكم من أمر هؤلاء اليهود والمنافقين ، وذلك تشتيت أهوائهم ، ومعاداة بعضهم بعضا من أجل أنهم قوم لا يعقلون ما فيه الحظ لهم مما فيه عليهم البخس والنقص . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ قال : تجد أهل الباطل مختلفة شهادتهم ، مختلفة أهواؤهم ، مختلفة أعمالهم ، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى قال : المنافقون يخالف دينهم دين النضير . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن ليث ، عن مجاهد تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى قال : هم المنافقون وأهل الكتاب . قال ثنا مهران عن سفيان ، مثل ذلك . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن خصيف ، عن مجاهد تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى قال المشركون وأهل الكتاب . وذكر أنها في قراءة عبد الله " وقلوبهم أشت " بمعنى : أشد تشتتا : أي أشد اختلافا . القول في تأويل قوله تعالى : كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . . . فَلَمَّا كَفَرَ قالَ . . . رَبَّ الْعالَمِينَ يقول تعالى ذكره : مثل هؤلاء اليهود من بني النضير والمنافقين فيما الله صانع بهم من إحلال عقوبته بهم كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يقول كشبههم . واختلف أهل التأويل في الذين عنوا الذين من قبلهم ، فقال بعضهم عنى بذلك بنو قينقاع . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قوله كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني بني قينقاع . وقال آخرون : عني بذلك مشركو قريش ببدر . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى وحدثني الحرث ، قال : حدثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ قال : كفار قريش . وأولى الأقوال بالصواب أن يقال : إن الله عز وجل مثل هؤلاء الكفار من أهل الكتاب مما هو مذيقهم من نكاله بالذين من قبلهم من مكذبي رسوله صلى الله عليه وسلم ، الذين أهل أكلهم بسخطه ، وأمر بني قينقاع ووقعة بدر ، كانا قبل ، جلاء بني النضير ، وكل أولئك قد ذاقوا وبال أمرهم ، ولم يخصص الله عز وجل منهم بعضا في تمثيل هؤلاء بهم دون بعض ، وكل ذائق وبال أمره ، فمن قربت مدته منهم قبلهم ، فهم ممثلون بهم فيما عنوا به من المثل . وقوله : ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ يقول : نالهم عقاب الله على كفرهم به . وقوله : وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يقول : ولهم في الآخرة مع ما نالهم في الدنيا من الخزي عذاب أليم ، يعني : موجع . وقوله : كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ يقول تعالى ذكره : مثل هؤلاء المنافقين الذين وعدوا اليهود من النضير النصرة ، إن قوتلوا ، أو الخروج معهم إن أخرجوا ، ومثل النضير في غرورهم إياهم بإخلافهم الوعد ، وإسلامهم إياهم عند شدة حاجتهم إليهم ، وإلى نصرتهم إياهم ، كمثل الشيطان