محمد بن جرير الطبري

30

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أما عثمان فقتل يوم قتل ، وأنت تحب قتله وترضاه ، فأنت ممن قتله ؛ وأما أنت فرجل لم يقك الله شح نفسك ، قال : صدقت . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قول الله عز وجل : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ قال : من وقي شح نفسه فلم يأخذ من الحرام شيئا ، ولم يقربه ، ولم يدعه الشح أن يحبس من الحلال شيئا ، فهو من المفلحين ، كما قال الله عز وجل . وحدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ قال : من لم يأخذ شيئا لشيء نهاه الله عز وجل عنه ، ولم يدعه الشح على أن يمنع شيئا من شيء أمره الله به ، فقد وقاه الله شح نفسه ، فهو من المفلحين . القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا . . . إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ يقول تعالى ذكره : والذين جاءوا من بعد الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين الأولين يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ من الأنصار . وعنى بالذين جاءوا من بعدهم المهاجرون أنهم يستغفرون لإخوانهم من الأنصار . وقوله : وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا يعني غمرا وضغنا . وقيل : عني بالذين جاءوا من بعدهم : الذين أسلموا من بعد الذين تبوءوا الدار . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ قال : الذين أسلموا نعتوا أيضا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : ثم ذكر الله الطائفة الثالثة ، فقال : وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا حتى بلغ إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ " إنما أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمروا بسببهم . وذكر لنا أن غلاما لحاطب بن أبي بلتعة جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا نبي الله ليدخلن حاطب في حر النار ، قال : " كذبت إنه شهد بدرا والحديبية " وذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أغلظ لرجل من أهل بدر ، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : " وما يدريك يا عمر لعله قد شهد مشهدا اطلع الله فيه إلى أهله ، فأشهد ملائكته إني قد رضيت عن عبادي هؤلاء ، فليعلموا ما شاءوا " فما زال بعضنا منقبضا من أهل بدر ، هائبا لهم ، وكان عمر رضي الله عنه يقول : وإلى أهل بدر تهالك المتهالكون ، وهذا الحي من الأنصار ، أحسن الله عليهم الثناء . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قول الله : وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا قال لا تورث قلوبنا غلا لأحد من أهل دينك . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن قيس بن مسلم ، عن ابن أبي ليلى ، قال كان الناس على ثلاث منازل : المهاجرون الأولون وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ وأحسن ما يكون أن يكون بهذه المنزلة . وقوله لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ يقول جل ثناؤه مخبرا عن قيل الذين جاءوا من بعد الذين تبوءوا الدار والإيمان أنهم قالوا : لا تجعل في قلوبنا غلا لأحد من أهل الإيمان بك يا ربنا . قوله إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ يقول : إنك ذو رأفة بخلقك ، وذو رحمة بمن تاب واستغفر من ذنوبه . القول في تأويل قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ . . . فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً . . . لَكاذِبُونَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ألم تنظر بعين قلبك يا محمد ، فترى إلى الذين نافقوا وهم فيما ذكر عبد الله بن أبي ابن سلول ، ووديعة ، ومالك ابنا نوفل وسويد وداعس بعثوا إلى بني النضير حين نزل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم