محمد بن جرير الطبري
27
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عن أبي عبد الرحمن الفتح فيها . وقد اختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى ذلك ، إذا ضمت الدال أو فتحت ، فقال بعض الكوفيين : معنى ذلك : إذا فتحت الدولة وتكون للجيش يهزم هذا هذا ، ثم يهزم الهازم ، فيقال : قد رجعت الدولة على هؤلاء ؛ قال : والدولة برفع الدال في الملك والسنين التي تغير وتبدل على الدهر ، فتلك الدولة والدول . وقال بعضهم : فرق ما بين الضم والفتح أن الدولة : هي اسم الشيء الذي يتداول بعينه ، والدولة الفعل . والقراءة التي لا أستجيز غيرها في ذلك : كَيْ لا يَكُونَ بالياء دُولَةً بضم الدال ونصب الدولة على المعنى الذي ذكرت في ذلك لإجماع الحجة عليه ، والفرق بين الدولة والدولة بضم الدال وفتحها ما ذكرت عن الكوفي في ذلك . وقوله : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ يقول تعالى ذكره : وما أعطاكم رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أفاء عليه من أهل القرى فخذوه وَما نَهاكُمْ عَنْهُ من الغلول وغيره من الأمور فَانْتَهُوا الأنفال وكان بعض أهل العلم يقول نحو قولنا في ذلك غير أنه كان يوجه معنى قوله وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ إلى ما آتاكم من الغنائم . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن عوف ، عن الحسن ، في قوله : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا الأنفال قال : يؤتيهم الغنائم ويمنعهم الغلول . وقوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ يقول : وخافوا الله ، واحذروا عقابه في خلافكم على رسوله بالتقدم على ما نهاكم عنه ، ومعصيتكم إياه . إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ يقول : إن الله شديد عقابه لمن عاقبه من أهل معصيته لرسوله صلى الله عليه وسلم . القول في تأويل قوله تعالى : لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ . . . فَضْلًا مِنَ اللَّهِ . . . هُمُ الصَّادِقُونَ الأنفال يقول تعالى ذكره : كيلا يكون ما أفاء الله على رسوله دولة بين الأغنياء منكم ، ولكن يكون للفقراء المهاجرين . وقيل : عني بالمهاجرين : مهاجرة قريش . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ الأنفال من قريظة جعلها لمهاجرة قريش . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير ، وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، قالا : كان ناس من المهاجرين لأحدهم الدار والزوجة والعبد والناقة يحج عليها ويغزو ، فنسبهم الله إلى أنهم فقراء ، وجعل لهم سهما في الزكاة الأنفال . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ إلى قوله أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ الأنفال قال : هؤلاء المهاجرون تركوا الديار والأموال والأهلين والعشائر ، خرجوا حبا لله ولرسوله ، واختاروا الإسلام على ما فيه من الشدة ، حتى لقد ذكر لنا أن الرجل كان يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع ، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ماله دثار غيرها . وقوله : الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ ، وقوله : يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً موضع يبتغون نصب ، لأنه في موضع الحال ؛ وقوله : وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يقول : وينصرون دين الله الذي بعث به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم . وقوله : أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ يقول : هؤلاء الذين وصف صفتهم من الفقراء المهاجرين هم الصادقون فيما يقولون . القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ . . . وَلا يَجِدُونَ . . . شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يقول تعالى ذكره : وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ يقول : اتخذوا المدينة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم فابتنوها منازل ، وَالْإِيمانَ بالله ورسوله مِنْ قَبْلِهِمْ يعني : من قبل المهاجرين ، يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ : يحبون من ترك منزله ، وانتقل إليهم من غيرهم ، وعني بذلك الأنصار