محمد بن جرير الطبري

25

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول ، في قوله : فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ يعني يوم قريظة . وقوله : وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ أعلمك أنه كما سلط محمدا صلى الله عليه وسلم على بني النضير ، يخبر بذلك جل ثناؤه أن ما أفاء الله عليه من أموال لم يوحف المسلمون بالخيل والركاب ، من الأعداء مما صالحوه عليه له خاصة يعمل فيه بما يرى الخمس . يقول : فمحمد صلى الله عليه وسلم إنما صار إليه أموال بني النضير بالصلح إلا عنوة ، فتقع فيها القسمة الأنفال . وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الأنفال يقول : والله على كل شيء أراده ذو قدرة لا يعجزه شيء ، وبقدرته على ما يشاء سلط نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم على ما سلط عليه من أموال بني النضير ، فحازه عليهم . القول في تأويل قوله تعالى : ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى . . . وَابْنِ السَّبِيلِ . . . إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ يعني بقوله جل ثناؤه : ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى الأنفال الذي رد الله عز وجل على رسوله من أموال مشركي القرى . واختلف أهل العلم في الذي عنى بهذه الآية من الألوان ، فقال بعضهم : عني بذلك الجزية والخراج . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن أيوب ، عن عكرمة بن خالد ، عن مالك بن أوس بن الحدثان ، قال : قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ حتى بلغ عَلِيمٌ حَكِيمٌ الأنفال ثم قال : هذه لهؤلاء ، ثم قال : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى الخمس الآية ، ثم قال : هذه الآية لهؤلاء ، ثم قرأ : ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى حتى بلغ لِلْفُقَراءِ . . . وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ . . . وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ ثم قال : استوعبت هذه الآية المسلمين عامة ، فليس أحد إلا له فيها حق ، ثم قال : لئن عشت ليأتين الراعي وهو يسير حمره نصيبه ، لم يعرق فيها جبينه . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، قال : ثنا معمر في قوله : ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى حتى بلغني إنها الجزية ، والخراج : خراج أهل القرى . وقال آخرون : الخمس عنى بذلك الغنيمة التي يصيبها المسلمون من عدوهم من أهل الحرب بالقتال عنوة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يزيد بن رومان ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ الخمس ما يوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب ، وفتح بالحرب عنوة ، فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا قال : هذا قسم آخر فيما أصيب بالحرب بين المسلمين على ما وضعه الله عليه . وقال آخرون : عنى بذلك الغنيمة التي أوجف عليها المسلمون بالخيل والركاب ، وأخذت بالغلبة ، الخمس وقالوا كانت الغنائم في بدو الإسلام لهؤلاء الذين سماهم الله في هذه الآيات دون المرجفين عليها ، ثم نسخ ذلك بالآية التي في سورة الأنفال . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الأعلى ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، في قوله : ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ قال : كان الفيء في هؤلاء ، ثم نسخ ذلك في سورة الأنفال ، فقال : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ فنسخت هذه ما كان قبلها في سورة الأنفال ، وحمل الخمس لمن كان له الفيء في سورة الحشر ، وكانت الغنيمة تقسم خمسة أخماس ، فأربعة أخماس لمن قاتل عليها ، ويقسم الخمس الباقي على خمسة أخماس ، فخمس لله وللرسول ، وخمس لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته ، وخمس لليتامى ، وخمس للمساكين ، وخمس لابن السبيل ؛ فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه أبو بكر وعمر رضي الله