محمد بن جرير الطبري

14

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا قال : انشزوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : هذا في بيته إذا قيل انشزوا ، فارتفعوا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن له حوائج ، فأحب كل رجل منهم أن يكون آخر عهده برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال الله : وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا . وإنما اخترت التأويل الذي قلت في ذلك ، لأن الله عز وجل أمر المؤمنين إذا قيل لهم انشزوا ، أن ينشزوا ، فعم بذلك الأمر جميع معاني النشوز من الخيرات ، فذلك على عمومه حتى يخصه ما يجب التسليم له . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة فَانْشُزُوا بضم الشين ، وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة والبصرة بكسرها . والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان ، ولغتان مشهورتان بمنزلة يعكفون ويعكفون ، ويعرشون ويعرشون ، فبأي القراءتين قرأ القارئ مصيب . قوله : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ يقول تعالى ذكره : يرفع الله المؤمنين منكم أيها القوم بطاعتهم ربهم فما أمرهم به من التفسح في المجلس إذا قيل لهم تفسحوا ، أو بنشوزهم إلى الخيرات إذا قيل لهم انشزوا إليها ، ويرفع الله الذين أوتوا العلم من أهل الإيمان على المؤمنين الذين يؤتوا العلم بفضل علمهم درجات ، إذا عملوا بما أمروا به ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ إن بالعلم لأهله فضلا ، وإن له على أهله حقا ، ولعمري للحق عليك أيها العالم فضل ، والله معطي كل ذي فضل فضله . وكان مطرف بن عبد الله بن الشخير يقول : فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة ، وخير دينكم الورع . وكان عبد الله بن مطرف يقول : إنك لتلقى الرجلين أحدهما أكثر صوما وصلاة وصدقة ، والآخر أفضل منه بونا بعيدا ، قيل له : وكيف ذاك ؟ فقال : هو أشدهما ورعا لله عن محارمه . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به . وقوله : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ يقول تعالى ذكره : والله بأعمالكم أيها الناس ذو خبرة ، لا يخفى عليه المطيع منكم ربه من العاصي ، وهو مجاز جميعكم بعمله المحسن بإحسانه ، والمسئ بالذي هو أهله ، أو يعفو . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ . . . غَفُورٌ رَحِيمٌ يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ، إذا ناجيتم رسول الله ، فقدموا أمام نجواكم صدقة تتصدقون بها على أهل المسكنة والحاجة ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ يقول : وتقديمكم الصدقة أمام نجواكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خير لكم عند الله وَأَطْهَرُ لقلوبكم من المآثم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمر ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً قال : نهوا عن مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتصدقوا ، فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب رضي الله عنه قدم دينارا فتصدق به ، ثم أنزلت الرخصة في ذلك . حدثنا محمد بن عبيد بن محمد المحاربي ، قال : ثنا المطلب بن زياد ، عن ليث ، عن مجاهد ، قال : قال علي رضي الله عنه : إن في كتاب الله عز وجل لآية ما عمل بها قبلي ، ولا يعمل بها أحد بعدي : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً قال : فرضت ، ثم نسخت . حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن شبل بن عباد ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً قال : نهوا عن مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتصدقوا ،