محمد بن جرير الطبري

6

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

إليك ، قال : فما برحت حتى نزل جبريل عليه السلام بهؤلاء الآيات قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها قال : زوجها أوس بن الصامت . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا جرير ، عن الأعمش ، عن تميم بن سلمة ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : الحمد للّه الذي وسع سمعه الأصوات ، إن خولة تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيخفى علي أحيانا بعض ما تقول ، قالت : فأنزل الله عز وجل قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ . حدثنا الربيع بن سليمان ، قال : ثنا أسد بن موسى ، قال : ثنا حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة ، عن عائشة ، أن جميلة كانت امرأة أوس بن الصامت ، وكان أمرأ به لمم ، وكان إذا اشتد به لممه ظاهر من امرأته ، فأنزل الله عز وجل آية الظهار . حدثني يحيى بن بشر القرقساني ، قال : ثنا عبد العزيز بن عبد الرحمن الأموي ، قال : ثنا خصيف ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : كان ظهار الجاهلية طلاقا ، فأول من ظاهر في الإسلام أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت من امرأته الخزرجية ، وهي خولة بنت ثعلبة بن مالك ؛ فلما ظاهر منها حسبت أن يكون ذلك طلاقا الظهار ، فأتت به نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله إن أوسا ظاهر مني ، وإنا إن افترقنا هلكنا ، وقد نثرت بطني منه ، وقدمت صحبته ؛ فهي تشكو ذلك وتبكي ، ولم يكن جاء في ذلك شيء ، فأنزل الله عز وجل : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها إلى قوله : وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " أتقدر على رقبة تعتقها ؟ " العتق فقال : لا والله يا رسول الله ، ما أقدر عليها ، فجمع له رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أعتق عنه ، ثم راجع أهله . وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله بن مسعود : " قد سمع الله قول التي تحاولك في زوجها " . وقوله : وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ يقول : وتشتكي المجادلة ما لديها من الهم بظهار زوجها منها إلى الله وتسأله الفرج وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما يعني تحاور رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمجادلة خولة ابنة ثعلبة . إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ يقول تعالى ذكره : إن الله سميع لما يتجاوبانه ويتحاورانه ، وغير ذلك من كلام خلقه ، بصير بما يعلمون ، ويعمل جميع عباده . القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ . . . مُنْكَراً مِنَ . . . لَعَفُوٌّ غَفُورٌ الظهار يقول تعالى ذكره : الذين يحرمون نساءهم على أنفسهم تحريم الله عليهم ظهور أمهاتهم ، فيقولون لهن : أنتن علينا كظهور أمهاتنا ، وذلك كان طلاق الرجل امرأته في الجاهلية . كذلك : حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، قال : ثنا أيوب ، عن أبي قلابة ، قال : كان الظهار طلاقا في الجاهلية ، الذي إذا تكلم به أحدهم لم يرجع في امرأته أبدا ، فأنزل الله عز وجل فيه ما أنزل . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة سوى نافع ، وعامة قراء الكوفة خلا عاصم : " يظاهرون " بفتح الياء وتشديد الظاء وإثبات الألف ، وكذلك قرءوا الأخرى بمعنى يتظاهرون ، ثم أدغمت التاء في الظاء فصارتا ظاء مشددة . وذكر أنها في قراءة أبي : " يتظاهرون " وذلك تصحيح لهذه القراءة وتقوية لها ؛ وقرأ ذلك نافع وأبو عمرو وكذلك بفتح الياء وتشديد الظاء ، غير أنهما قرآه بغير ألف : " يظهرون " . وقرأ ذلك عاصم : يَظْهَرُونَ بتخفيف الظاء وضم الياء وإثبات الألف . والصواب من القول في ذلك عندي أن كل هذه القراءات متقاربات المعاني . وأما " يظاهرون " فهو من تظاهر ، فهو يتظاهر . وأما " يظهرون " فهو من تظهر فهو يتظهر ، ثم أدغمت التاء في الظاء فقيل : يظهر . وأما يَظْهَرُونَ فهو من ظاهر يظاهر ، فبأية هذه القراءات الثلاث قرأ ذلك القارئ فمصيب . وقوله : ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ الظهار يقول تعالى ذكره : ما نساؤهم اللائي يظاهرن منهن بأمهاتهم ، فيقولوا لهن : أنتن علينا كظهر أمهاتنا ، بل هن لهم حلال . وقوله : إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ