محمد بن جرير الطبري
66
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
آخر . قال إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ فجعل خلقناه من صفة الشيء ؛ وقال غيره : إنما نصب كل لأن قوله خلقناه فعل ، لقوله " إنا " ، وهو أولى بالتقديم إليه من المفعول ، فلذلك اختير النصب ، وليس قيل عبد الله في قوله : عبد الله ضربته شيء هو أولى بالفعل ، وكذلك إنا طعامك ، أكلناه الاختيار النصب لأنك تريد : إنا أكلنا طعامك الأكل ، أولى بأنا من الطعام . قال : وأما قول من قال : خلقناه وصف للشيء فبعيد ، لأن المعنى : إنا خلقناه كل شيء بقدر ، وهذا القول الثاني أولى بالصواب عندي من الأول للعلل التي ذكرت لصاحبها . القول في تأويل قوله تعالى : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ وَلَقَدْ . . . فِي الزُّبُرِ يقول تعالى ذكره : وما أمرنا للشيء إذا أمرناه وأردنا أن نكونه إلا قولة واحدة : كن فيكون ، لا مراجعة فيها ولا مرادة كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ يقول جل ثناؤه : فيوجد ما أمرناه وقلنا له : كن كسرعة اللمح بالبصر لا يبطئ ولا يتأخر ، يقول تعالى ذكره لمشركي قريش الذين كذبوا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم : ولقد أهلكنا أشياعكم معشر قريش من الأمم السالفة والقرون الخالية ، على مثل الذي أنتم عليه من الكفر بالله ، وتكذيب رسله فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ يقول : فهل من متعظ بذلك منزجر ينزجر به . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ قال : أشياعكم من أهل الكفر من الأمم الماضية ، يقول : فهل من أحد يتذكر . وقوله : وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ يقول تعالى ذكره : وكل شيء فعله أشياعكم الذين مضوا قبلكم معشر كفار قريش في الزبر ، يعني في الكتب التي كتبتها الحفظة عليهم . وقد يحتمل أن يكون مرادا به في أم الكتاب . كما : حدثنا عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : فِي الزُّبُرِ قال : الكتب . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ قال : في الكتاب . القول في تأويل قوله تعالى : وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ . . . مَقْعَدِ . . . مُقْتَدِرٍ يقول تعالى ذكره : وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ من الأشياء مُسْتَطَرٌ يقول : مثبت في الكتاب مكتوب . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ يقول : مكتوب ، فإذا أراد الله أن ينزل كتابا نسخته السفرة . قوله : وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ قال : مكتوب . حدثنا بشر ، قال : ثنا عبيد الله بن معاذ ، عن أبيه ، عن عمران بن حدير ، عن عكرمة ، قال : مكتوب في كل سطر . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة مُسْتَطَرٌ قال : محفوظ مكتوب . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ أي محفوظ . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول : مُسْتَطَرٌ قال : مكتوب . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ قال : مكتوب ، وقرأ وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ وقرأ وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ إنما هو مفتعل من سطرت : إذا كتبت سطرا . وقوله : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ يقول تعالى ذكره : إن الذين اتقوا عقاب الله بطاعته وأداء فرائضه ، واجتناب معاصيه في بساتين يوم القيامة ، وأنهار ، ووحد النهر في اللفظ ومعناه الجمع ، كما وحد الدبر ، ومعناه الإدبار في قوله : يُوَلُّونَ الدُّبُرَ وقد قيل : إن معنى ذلك :