محمد بن جرير الطبري

61

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

اختلف أهل التأويل في المعني بقوله : كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ فقال بعضهم : عني بذلك : العظام المحترقة ، وكأنهم وجهوا معناه إلى أنه مثل هؤلاء القوم بعد هلاكهم وبلائهم بالشيء الذي أحرقه محرق في حظيرته . ذكر من قال ذلك : حدثني سليمان بن عبد الجبار ، قال : ثنا محمد بن الصلت ، قال ثنا أبو كدينة ، قال : ثنا قابوس ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ قال : كالعظام المحترقة . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثنى أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ قال : المحترق . ولا بيان عندنا في هذا الخبر عن ابن عباس ، كيف كانت قراءته ذلك ، إلا أنا وجهنا معنى قوله هذا على النحو الذي جاءنا من تأويله قوله : كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ إلى أنه كان يقرأ ذلك كنحو قراءة الأمصار ، وقد يحتمل تأويله ذلك كذلك أن يكون قراءته كانت بفتح الظاء من المحتظر ، على أن المحتظر نعت للهشيم ، أضيف إلى نعته ، كما قيل : إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ وقد ذكر عن الحسن وقتادة أنهما كانا يقرآن ذلك كذلك ، ويتأولانه هذا التأويل الذي ذكرناه عن ابن عباس . حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث ، قال : ثني أبي ، عن الحسن ، قال : كان قتادة يقرأ كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ يقول : المحترق . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ يقول : كهشيم محترق . وقال آخرون : بل عنى بذلك التراب . الذي يتناثر من الحائط . ذكر من قال ذلك : حدثنا بن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن يعقوب ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ قال : التراب الذي يتناثر من الحائط . وقال آخرون : بل هو حظيرة الراعي للغنم . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق وأسنده ، قال الْمُحْتَظِرِ حظيرة الراعي للغنم . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ المحتظر : الحظرة تتخذ للغنم فتيبس ، فتصير كهشيم المحتظر ، قال : هو الشوك الذي تحظر به العرب حول مواشيها من السباع والهشيم : يابس الشجر الذي فيه شوك ذلك الهشيم . وقال آخرون : بل عني به هشيم الخيمة ، وهو ما تكسر من خشبها . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن مجاهد ، في قوله : كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ قال : الرجل يهشم الخيمة . وحدثني الحارث ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ الهشيم : الخيمة . وقال آخرون : بل هو الورق الذي يتناثر من خشب الحطب . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان كَهَشِيمِ قال : الهشيم : إذا ضربت الحظيرة بالعصا تهشم ذاك الورق فيسقط . والعرب تسمي كل شيء كان رطبا فيبس هشيما . القول في قوله تعالى : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ . . . آلَ لُوطٍ . . . مَنْ شَكَرَ يقول تعالى ذكره : ولقد هونا القرآن بيناه للذكر : يقول : لمن أراد أن يتذكر به فيتعظ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ يقول : فهل من متعظ به ومعتبر فيعتبر به ، فيرتدع عما يكرهه الله منه . وقوله : كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ يقول تعالى ذكره : كذبت قوم لوط بآيات الله التي أنذرهم وذكرهم بها . وقوله : إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً يقول تعالى ذكره : إنا أرسلنا عليهم حجارة . وقوله : إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ يقول : غير آل لوط الذين صدقوه واتبعوه على دينه فإنا نجيناهم من العذاب الذي عذبنا به قومه الذين كذبوه ، والحاصب الذي حصبناهم به بسحر : بنعمة من عندنا : يقول : نعمة أنعمناها على لوط وآله ، وكرامة أكرمناهم بها من عندنا . وقوله : كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ يقول : وكما أثبنا لوطا وآله ، وأنعمنا عليه ، فأنجيناهم من عذابنا بطاعتهم إيانا كذلك