محمد بن جرير الطبري
59
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عن الأرض إن كنت صادقا ، فأرسل الله عليهم الريح فصيرتهم كأنهم أعجاز نخل منقعر . حدثني محمد بن إبراهيم ، قال : ثنا مسلم ، قال : ثنا نوح بن قيس ، قال : ثنا أشعث بن جابر ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي هريرة ، قال : إن كان الرجل من قوم عاد ليتخذ المصراعين من حجارة ، لو اجتمع عليها خمس مئة من هذه الأمة لم يستطيعوا أن يحملوها ، وإن كان الرجل منهم ليغمز قدمه في الأرض ، فتدخل في الأرض ، وقال : كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ ؛ ومعنى الكلام : فيتركهم كأنهم أعجاز نخل منقعر ، فترك ذكر فيتركهم استغناء بدلالة الكلام عليه . وقيل : إنما شبههم بأعجاز نخل منقعر ، لأن رؤوسهم كانت تبين من أجسامهم ، فتذهب لذلك رقابهم ، وتبقى أجسادهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن عرفة ، قال : ثنا خلف بن خليفة ، عن هلال بن خباب عن مجاهد ، في قوله : كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ قال : سقطت رؤوسهم كأمثال الأخبية ، وتفردت ، أو وتفرقت أعناقهم " وقال أبو جعفر : أنا أشك " ، فشبهها بأعجاز نخل منقعر . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ قال : هم قوم عاد حين صرعتهم الريح ، فكأنهم فلق نخل منقعر فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ يقول تعالى ذكره : فانظروا يا معشر كفار قريش ، كيف كان عذابي قوم عاد ، إذ كفروا بربهم ، وكذبوا رسوله ، فإن ذلك سنة الله في أمثالهم ، وكيف كان إنذاري بهم من أنذرت . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ . . . وَسُعُرٍ يقول تعالى ذكره : ولقد سهلنا القران وهوناه لمن أراد التذكر به والاتعاظ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ يقول : فهل من متعظ ومنزجر بآياته . وقوله : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ يقول تعالى ذكره : كذبت ثمود قوم صالح بنذر الله التي أتتهم من عنده ، فقالوا تكذيبا منهم لصالح رسول ربهم : أبشرا منا نتبعه نحن الجماعة الكثيرة ، وهو واحد ؟ . وقوله : إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يقول : قالوا : إنا إذا باتباعنا صالحا إن اتبعناه وهو بشر منا واحد لفي ضلال : يعنون : لفي ذهاب عن الصواب وأخذ على غير استقامة وسعر : يعنون بالسعر : جمع سعير . وكان قتادة يقول : عني بالسعر : العناء . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ في عناء وعذاب . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ قال : ضلال وعناء . القول في تأويل قوله تعالى : أَ أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا . . . الْأَشِرُ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل مكذبي ورسوله صالح صلى الله عليه وسلم من قومه ثمود : أألقي عليه الذكر من بيننا ، يعنون بذلك : أنزل الوحي وخص بالنبوة من بيننا وهو واحد منا ، إنكارا منهم أن يكون الله يرسل رسولا من بني آدم . وقوله : بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ يقول : قالوا : ما ذلك كذلك ، بل هو كذاب أشر ، يعنون بالأشر : المرح ذا التجبر والكبرياء ، والمرح من النشاط . وقد : حدثني الحسن بن محمد بن سعيد القرشي ، قال : قلت لعبد الرحمن بن أبي حماد : ما الكذاب الأشر ؟ قال : الذي لا يبالي ما قال . وبكسر الشين من الأشر وتخفيف الراء قرأت قراء الأمصار . وذكر عن مجاهد أنه كان يقرأه : " كذاب أشر " بضم الشين وتخفيف الراء ، وذلك في الكلام نظير الحذر والحذر والعجل والعجل . والصواب من القراءة في ذلك عندنا ، ما عليه قراء الأمصار لإجماع الحجة من القراء عليه . وقوله : سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ يقول تعالى ذكره : قال الله لهم : ستعلمون غدا في القيامة من الكذاب الأشر منكم معشر ثمود ، ومن رسولنا صالح حين تردون على ربكم ، وهذا التأويل تأويل من قرأه " ستعلمون " بالتاء ، وهي قراءة عامة أهل الكوفة سوى عاصم والكسائي . أما تأويل ذلك على قراءة