محمد بن جرير الطبري
43
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
هذه الآيات أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى قال : وفى طاعة الله ، وبلغ رسالات ربه إلى خلقه . وكان عكرمة يقول : وفى هؤلاء الآيات العشر أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى حتى بلغ وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى وفى طاعة الله ورسالاته إلى خلقه . حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي ، قال : ثنا أبو بكير ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير ، في قوله : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى قال : بلغ ما أمر به . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى قال : بلغ . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى قال : وفى : بلغ رسالات ربه ، بلغ ما أرسل به ، كما يبلغ الرجل ما أرسل به . وقال آخرون : بل وفى بما رأى في المنام من ذبح ابنه ، وقالوا قوله : أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى من المؤخر الذي معناه التقديم ؛ وقالوا : معنى الكلام : أم لم ينبأ بما في صحف موسى ألا تزر وازرة وزر أخرى ، وبما في صحف إبراهيم الذي وفى . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس في قوله : أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى يقول : إبراهيم الذي استكمل الطاعة فيما فعل بابنه حين رأى الرؤيا ، والذي في صحف موسى أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى إلى آخر الآية . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني ابن لهيعة ، عن أبي صخر ، عن القرظي ، وسئل عن هذه الآية وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى قال : وفى بذبح ابنه . وقال آخرون بل معنى ذلك : أنه وفى ربه جميع شرائع الإسلام . ذكر من قال ذلك : حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبوية ، قال : ثنا علي بن الحسن ، قال : ثنا خارجة بن مصعب ، عن داود بن أبي هند ، عن عكرمة عن ابن عباس قال : الإسلام ثلاثون سهما . وما ابتلي بهذا الدين أحد فأقامه إلا إبراهيم ، قال الله وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى فكتب الله له براءة من النار . حدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى ما فرض عليه . وقال آخرون : وفى بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخبر الذي : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا رشدين بن سعد ، قال : ثني زيان بن فائد ، عن سهل بن معاذ ، عن أنس ، عن أبيه مالك ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى ؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى : فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ حتى ختم الآية وقال آخرون : بل وفى ربه عمل يومه . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا الحسن بن عطية ، قال : ثنا إسرائيل ، عن جعفر بن الزبير عن القاسم ، عن أبي أمامة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى قال : " أتدرون ما وفى " ؟ قالوا الله ورسوله أعلم ، قال : " وفى عمل يومه أربع ركعات في النهار " . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : وفى جميع شرائع الإسلام وجميع ما أمر به من الطاعة ، لأن الله تعالى ذكره أخبر عنه أنه وفى فعم بالخبر عن توفيته جميع الطاعة ، ولم يخصص بعضا دون بعض . فإن قال قائل : فإنه خص ذلك بقوله وفي أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى فإن ذلك مما أخبر الله جل ثناؤه أنه في صحف موسى وإبراهيم ، لا مما خص به الخبر عن أنه وفى . وأما التوفية فإنها على العموم ، ولو صح الخبران اللذان ذكرناهما أو أحدهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم نعد القول به إلى غيره ولكن في إسنادهما نظر يجب التثبت فيهما من أجله . وقوله : أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى فإن من قوله : أَلَّا تَزِرُ على التأويل الذي تأولناه في موضع خفض ردا على " ما " التي في قوله أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى يعني بقوله : أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى غيرها ، بل كل