محمد بن جرير الطبري
31
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ومن أخبرك أن محمدا كتم شيئا من الوحي فقد كذب ، ثم قرأت ، يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ قالت : ولكنه رأى جبريل عليه السلام في صورته مرتين . حدثنا موسى بن عبد الرحمن ، قال : ثنا أبو أسامة ، قال : ثني إسماعيل ، عن عامر ، قال : ثنا عبد الله بن الحارث بن نوفل ، قال : سمعت كعبا ، ثم ذكر نحو حديث عبد الحميد بن بيان ، غير أنه قال في حديثه فرآه محمد مرة ، وكلمه موسى مرتين . ذكر من قال فيه : رأى ربه عز وجل . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن سماك بن عكرمة ، عن ابن عباس أنه قال : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه بقلبه ، فقال له رجل عند ذلك : أليس لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ؟ قال له عكرمة : أليس ترى السماء ؟ قال : بلى ، أفكلها ترى ؟ . حدثنا سعيد بن يحيى ، قال : ثنا أبي ، قال : ثنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن ابن عباس ، في قول الله : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى قال : دنا ربه فتدلى ، فكان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إلى عبده ما أوحى ؛ قال : قال ابن عباس قد رآه النبي صلى الله عليه وسلم . وقوله : عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى يقول تعالى ذكره : ولقد رآه عند سدرة المنتهى ، فعند من صلة قوله : رَآهُ والسدرة : شجرة النبق . وقيل لها سدرة المنتهى في قول بعض أهل العلم من أهل التأويل ، لأنه إليها ينتهي علم كل عالم . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن حفص بن حميد ، عن شمر ، قال : جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار ، فقال له حدثني عن قول الله : عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى فقال كعب : إنها سدرة في أصل العرش ، إليها ينتهي علم كل عالم ، ملك مقرب ، أو نبي مرسل ، ما خلفها غيب ، لا يعلمه إلا الله . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال أخبرني جرير بن حازم ، عن الأعمش ، عن شمر بن عطية ، عن هلال بن يساف ، قال : سأل ابن عباس كعبا ، عن سدرة المنتهى وأنا حاضر ، فقال كعب : إنها سدرة على رؤوس حملة العرش ، وإليها ينتهي علم الخلائق ، ثم ليس لأحد وراءها علم ، ولذلك سميت سدرة المنتهى ، لانتهاء العلم إليها . وقال آخرون : قيل لها سدرة المنتهى ، لأنها ينتهي ما يهبط من فوقها ، ويصعد من تحتها من أمر الله إليها . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمارة ، قال : ثنا سهل بن عامر ، قال : ثنا مالك ، عن الزبير ، عن عدي ، عن طلحة اليامي ، عن مرة ، عن عبد الله ، قال : لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة ، إليها ينتهي من يعرج من الأرض أو من تحتها ، فيقبض منها ، وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها ، فيقبض فيها . حدثني جعفر بن محمد المروزي ، قال : ثنا يعلي ، عن الأجلح ، قال : قلت للضحاك : لم تسمى سدرة المنتهى ؟ قال : لأنه ينتهي إليها كل شيء من أمر الله لا يعدوها . وقال آخرون : قيل لها : سدرة المنتهى ، لأنه ينتهي إليها كل من كان على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهاجه . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن أبي جعفر ، عن الربيع عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى ، قال : إليها ينتهي كل أحد ، خلا على سنة أحمد ، فلذلك سميت المنتهى . حدثني علي بن سهل ، قال : ثنا حجاج ، قال : ثنا أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية الرياحي ، عن أبي هريرة ، أو غيره " شك أبو جعفر الرازي " قال : لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم ، انتهى إلى السدرة ، فقيل له : هذه السدرة ينتهي إليها كل أحد خلا من أمتك على سنتك . والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن معنى المنتهى الانتهاء ، فكأنه قيل : عند سدرة الانتهاء . وجائز أن يكون قيل لها سدرة المنتهى : لانتهاء علم كل عالم من الخلق إليها ، كما قال كعب . وجائز أن يكون قيل ذلك لها ، لانتهاء