محمد بن جرير الطبري

21

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ . . . يَكْتُبُونَ يقول تعالى ذكره للمشركين به من قريش : ألربكم أيها القوم البنات ولكم البنون ؟ ذلك إذن قسمة ضيزي ، وقوله : أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : أتسأل هؤلاء المشركين الذين أرسلناك إليهم يا محمد على ما تدعوهم إليه من توحيد الله وطاعته ثوابا وعوضا من أموالهم ، فهم من ثقل ما حملتهم من الغرم لا يقدرون على إجابتك إلى ما تدعوهم إليه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ يقول : هل سألت هؤلاء القوم أجرا يجهدهم ، فلا يستطيعون الإسلام . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ قال : يقول : أسألتهم على هذا أجرا ، فأثقلهم الذي يبتغى أخذه منهم . وقوله : أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ يقول تعالى ذكره : أم عندهم علم الغيب ، فهم يكتبون ذلك للناس ، فينبئونهم بما شاءوا ، ويخبرونهم بما أرادوا . القول قي تأويل قوله تعالى : أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ . . . يُشْرِكُونَ يقول تعالى ذكره : بل يريد هؤلاء المشركون يا محمد بك ، وبدين الله كيدا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ يقول : فهم المكيدون الممكور بهما دونك ، فثق بالله ، وامض لما أمرك به . وقوله : أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يقول حل ثناؤه : أم لهم معبود يستحق عليهم العبادة غير الله ، فيجوز لهم عبادته ، يقول : ليس لهم إله غير الله الذي له العبادة من جميع خلقه سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ يقول : تنزيها لله عن شركهم وعبادتهم معه غيره . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا . . . حَتَّى يُلاقُوا . . . يُصْعَقُونَ يقول تعالى ذكره : وإن ير هؤلاء المشركون قطعا من السماء ساقطا ، والكسف : جمع كسفة ، مثل التمر جمع تمرة ، والسدر جمع سدرة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : كِسْفاً يقول : قطعا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً يقول : وإن يروا قطعا مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ يقول جل ثناؤه : يقولوا لذلك الكسف من السماء الساقط : هذا سحاب مركوم ، يعني بقوله مركوم : بعضه على بعض . وإنما عنى بذلك جل ثناؤه المشركين من قريش الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآيات ، فقالوا له : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً إلى قوله : عَلَيْنا كِسَفاً فقال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وإن ير هؤلاء المشركون ما سألوا من الآيات ، فعاينوا كسفا من السماء ساقطا ، لم ينتقلوا عما هم عليه من التكذيب ، ولقالوا . إنما هذا سحاب بعضه فوق بعض ، لأن الله قد حتم عليهم أنهم لا يؤمنون . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة يقولوا سَحابٌ مَرْكُومٌ يقول : لا يصدقوا بحديث ، ولا يؤمنوا بآية . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ قال : حين سألوا الكسف قالوا : أسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين ؛ قال : يقول : لو أنا فعلنا لقالوا : سحاب مركوم . وقوله : فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : فدع يا محمد هؤلاء المشركين حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يهلكون ، وذلك عند النفخة الأولى . واختلفت القراء في قراءة قوله : فِيهِ يُصْعَقُونَ فقرأته عامة قراء الأمصار سوى عاصم بفتح الياء من " يصعقون " ، وقرأه عاصم يُصْعَقُونَ بضم الياء ، والفتح أعجب القراءتين إلينا ، لأنه أفصح اللغتين