محمد بن جرير الطبري

15

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

اكتفاء بدلالة ما ذكر من الكلام عليه . وقوله : زَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ يقول تعالى ذكره : وزوجنا الذكور من هؤلاء المتقين أزواجا بحور عين من النساء ، يقول الرجل : زوج هذا الخلف الفرد أو النعل الفرد بهذا الفرد ، بمعنى : اجعلهما زوجا . وقد بينا معنى الزوج فيما مضى بما أغنى عن إعادته هاهنا ، والحور : جمع حوراء ، وهي الشديدة بياض مقلة العين في شدة سواد الحدقة . وقد ذكرت اختلاف أهل التأويل في ذلك ، وبينت الصواب فيه عندنا بشواهده المغنية عن إعادتها في هذا الموضع ، والعين : جمع عيناء ، وهي العظيمة العين في حسن وسعة . القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا . . . بِما كَسَبَ رَهِينٌ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معناه : والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان ، ألحقنا بهم ذرياتهم المؤمنين في الجنة ، وإن كانوا لم يبلغوا بأعمالهم درجات آبائهم ، تكرمة لآبائهم المؤمنين ، وما ألتنا آباءهم المؤمنين من أجور أعمالهم من شيء . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في هذه الآية : " والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان " فقال : إن الله تبارك وتعالى يرفع للمؤمن ذريته ، وإن كانوا دونه في العمل ، ليقر الله بهم عينه . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، عن عمرو بن مرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : إن الله تبارك وتعالى ليرفع ذرية المؤمن في درجته ، وإن كانوا دونه في العمل ، ليقربهم عينه ، ثم قرأ " والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء " . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن عمرو بن مرة الجملي ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : إن الله تبارك وتعالى ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته ، ثم ذكر نحوه ، غير أنه قرأ " وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم " . حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، قال : ثنا محمد بن بشر ، قال : ثنا سفيان بن سعيد ، عن سماعة ، عن عمرو بن مرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، نحوه . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، أنه قال في هذه الآية " والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان " قال : المؤمن ترفع له ذريته ، فيلحقون به ، وإن كانوا دونه في العمل . وقال آخرون : بل معنى ذلك : والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم التي بلغت الإيمان بإيمان ، ألحقنا بهم ذرياتهم الصغار التي لم تبلغ الإيمان ، وما ألتنا الآباء من عملهم من شيء . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : " والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم " يقول : الذين أدرك ذريتهم الإيمان ، فعملوا بطاعتي ، ألحقتهم بإيمانهم إلى الجنة ، وأولادهم الصغار نلحقهم بهم . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : " والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم " يقول : من أدرك ذريته الإيمان ، فعملوا بطاعتي ألحقتهم بآبائهم في الجنة ، وأولادهم الصغار أيضا على ذلك . وقال آخرون نحو هذا القول ، غير أنهم جعلوا الهاء والميم في قوله : أَلْحَقْنا بِهِمْ من ذكر الذرية ، والهاء والميم في قوله : ذريتهم الثانية من ذكر الذين . وقالوا : معنى الكلام : والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم الصغار ، وما ألتنا الكبار من عملهم من شيء . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : " والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم " قال : أدرك أبناؤهم الأعمال التي عملوا ، فاتبعوهم عليها واتبعتهم ذرياتهم التي لم يدركوا الأعمال ، فقال الله جل ثناؤه وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ