محمد بن جرير الطبري
134
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
في المتعارف للمؤمن اسم شهيد لا بمعنى غيره ، إلا أن يراد به شهيد على ما آمن به وصدقه ، فيكون ذلك وجها ، وإن كان فيه بعض البعد ، لأن ذلك ليس بالمعروف من معانيه ، إذا أطلق بغير وصل ، فتأويل قوله : وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ إذن والشهداء الذين قتلوا في سبيل الله ، أو هلكوا في سبيله عند ربهم ، لهم ثواب الله إياهم في الآخرة ونورهم . وقوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ يقول تعالى ذكره : والذين كفروا بالله وكذبوا بأدلته وحججه ، أولئك أصحاب الجحيم . القول في تأويل قوله تعالى : اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ . . . مَتاعُ الْغُرُورِ يقول تعالى ذكره : اعلموا أيها الناس إن متاع الحياة الدنيا المعجلة لكم ، ما هي إلا لعب ولهو تتفكهون به ، وزينة تتزينون بها ، وتفاخر بينكم ، يفخر بعضكم على بعض بما أولى فيها من رياشها وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ يقول تعالى ذكره : ويباهي بعضكم بعضا بكثرة الأموال والأولاد كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ يقول تعالى ذكره : ثم ييبس ذلك النبات فَتَراهُ مُصْفَرًّا بعد أن كان أخضر نضرا . وقوله : ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً يقول تعالى ذكره : ثم يكون ذلك النبات حطاما ، يعني به أنه يكون نبتا يابسا متهشما وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ يقول تعالى ذكره : وفي الآخرة عذاب شديد للكفار وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ لأهل الإيمان بالله ورسوله . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ الآية ، يقول : صار الناس إلى هذين الحرفين في الآخرة . وكان بعض أهل العربية يقول في قوله : وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ ذكر ما في الدنيا ، وأنه على ما وصف ، وأما الآخرة فإنها إما عذاب ، وإما جنة . قال : والواو فيه وأو بمنزلة واحدة . وقوله : وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ يقول تعالى ذكره : وما زينة الحياة الدنيا المعجلة لكم أيها الناس ، إلا متاع الغرور . حدثنا علي بن حرب الموصلي ، قال : ثنا المحاربي : عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها " . القول في تأويل قوله تعالى : سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ . . . وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ قول تعالى ذكره : سابِقُوا أيها الناس إِلى عمل يوجب لكم مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ هذه الجنة لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ يعني الذين وحدوا الله ، وصدقوا رسله . وقوله : ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ يقول جل ثناؤه : هذه الجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض التي أعدها الله للذين آمنوا بالله ورسله ، فضل الله تفضل به على المؤمنين ، والله يؤتي فضله من يشاء من خلقه ، وهو ذو الفضل العظيم عليهم ، بما بسط لهم من الرزق في الدنيا ، ووهب لهم من النعم ، وعرفهم موضع الشكر ، ثم جزاهم في الآخرة على الطاعة ما وصف أنه أعده لهم . القول في تأويل قوله تعالى : ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ يقول تعالى ذكره : ما أصابكم أيها الناس من مصيبة في الأرض بجدوبها وقحوطها ، وذهاب زرعها وفسادها وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ بالأوصاب والأوجاع والأسقام إِلَّا فِي كِتابٍ يعني إلا في أم الكتاب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها يقول : من قبل أن نبرأ الأنفس ، يعني من قبل أن خلقها . يقال :