محمد بن جرير الطبري

128

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى قال : الجنة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى قال : الجنة . وقوله : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ يقول تعالى ذكره : والله بما تعملون من النفقة في سبيل الله ، وقتال أعدائه ، وغير ذلك من أعمالكم التي تعملون ، خبير لا يخفى عليه منها شيء ، وهو مجازيكم على جميع ذلك يوم القيامة . القول في تأويل قوله تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ يقول تعالى ذكره : من هذا الذي ينفق في سبيل الله في الدنيا محتسبا في نفقته مبتغيا ما عند الله ، وذلك هو القرض الحسن ، يقول : فيضاعف له ربه قرضه ذلك الذي أقرضه ، بإنفاقه في سبيله ، فيجعل له بالواحدة سبع مئة . وكان بعض نحويي البصرة يقول في قوله : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فهو كقول العرب : لي عندك قرض صدق ، وقرض سوء إذا فعل به خيرا ؛ وأنشد ذلك بيتا للشنفرى : سنجزي سلامان بن مفرج قرضها * بما قدمت أيديهم فأزلت وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ يقول : وله ثواب وجزاء كريم ، يعني بذلك الأجر : الجنة ، وقد ذكرنا الرواية عن أهل التأويل في ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته . القول في تأويل قوله تعالى : يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ . . . خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ فقال بعضهم : معنى ذلك : يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يضيء نورهم بين أيديهم وبأيمانهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ الآية ، ذكر لنا أن نبي الله كان يقول : " ومن المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن أبين فصنعاء فدون ذلك ، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه " . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة نبي الله ، بنحوه . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا ابن إدريس ، قال : سمعت أبي يذكر عن المنهال ، عن عمرو ، عن قيس بن سكن ، عن عبد الله ، قال : يؤتون نورهم على قدر أعمالهم ، فمنهم من يؤتي نوره كالنخلة ، ومنهم من يؤتي نوره كالرجل القائم ، وأدناهم نورا على إبهامه يطفأ مرة ويقد مرة . وقال آخرون : بل معنى ذلك : يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى إيمانهم وهداهم بين أيديهم ، وبأيمانهم : كتبهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ كتبهم ، يقول الله : فأما من أوتي كتابه بيمينه ، وأما نورهم فهداهم . وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي ذكرناه عن الضحاك ، وذلك أنه لو عنى بذلك النور الضوء المعروف ، لم يخص عنه الخبر بالسعي بين الأيدي والأيمان دون الشمائل ، لأن ضياء المؤمنين الذي يؤتونه في الآخرة يضيء لهم جميع ما حولهم ، وفي خصوص الله جل ثناؤه الخبر عن سعيه بين أيديهم وبأيمانهم دون الشمائل ، ما يدل على أنه معنى به غير الضياء ، وإن كانوا لا يخلون من الضياء . فتأويل الكلام إذ كان الأمر على ما وصفنا : وكلا وعد الله الحسنى يوم ترون المؤمنين والمؤمنات يسعى ثواب إيمانهم وعملهم الصالح بين أيديهم ، وفي أيمانهم كتب أعمالهم تتطاير . ويعني بقوله : يَسْعى يمضي ، والباء في قوله : وَبِأَيْمانِهِمْ بمعنى في . وكان بعض نحويي البصرة يقول : الباء في قوله : وَبِأَيْمانِهِمْ بمعنى على أيمانهم . وقوله : يَوْمَ تَرَى من صلة وعد . وقوله : بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يقول تعالى ذكره يقال لهم : بشارتكم اليوم أيها المؤمنون التي تبشرون بها جنات تجري