محمد بن جرير الطبري

124

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

[ تفسير سورة الحديد ] سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ . . . لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ . . . عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يعني تعالى ذكره بقوله : سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أن كل ما دونه من خلقه يسبحه تعظيما له ، وإقرارا بربوبيته ، وإذعانا لطاعته ، كما قال جل ثناؤه : تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ وقوله : وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يقول : ولكنه جل جلاله العزيز في انتقامه ممن عصاه ، فخالف أمره مما في السماوات والأرض من خلقه الْحَكِيمُ في تدبيره أمرهم ، وتصريفه إياهم فيما شاء وأحب . وقوله : لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يقول تعالى ذكره : له سلطان السماوات والأرض وما فيهن ولا شيء فيهن يقدر على الامتناع منه ، وهو في جميعهم نافذ الأمر ، ماضي الحكم . وقوله : يُحْيِي وَيُمِيتُ يقول يحيي ما يشاء من الخلق بأن يوجده كيف يشاء ، وذلك بأن يحدث من النطفة الميتة حيوانا بنفخ الروح فيها من بعد تارات يقلبها فيها ، ونحو ذلك من الأشياء ، ويميت ما يشاء من الأحياء بعد الحياة بعد بلوغه أجله فيفنيه وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يقول جل ثناؤه : وهو على كل شيء ذو قدرة ، لا يتعذر عليه شيء أراده ، من إحياء وإماتة ، وإعزاز وإذلال ، وغير ذلك من الأمور . القول في تأويل قوله تعالى : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ . . . هُوَ الَّذِي خَلَقَ . . . وَما يَخْرُجُ مِنْها . . . بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ يقول تعالى ذكره : هُوَ الْأَوَّلُ قبل كل شيء بغير حد وَالْآخِرُ يقول : والآخر بعد كل شيء بغير نهاية . وإنما قيل ذلك كذلك ، لأنه كان ولا شيء موجود سواه ، وهو كائن بعد فناء الأشياء كلها ، كما قال جل ثناؤه : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ وقوله : وَالظَّاهِرُ يقول : وهو الظاهر على كل شيء دونه ، وهو العالي فوق كل شيء ، فلا شيء أعلى منه وَالْباطِنُ يقول : وهو الباطن جميع الأشياء ، فلا شيء أقرب إلى شيء منه ، كما قال : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال به أهل التأويل . ذكر من قال ذلك ، والخبر الذي روي فيه : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في أصحابه ، إذ ثار عليهم سحاب ، فقال : " هل تدرون ما هذا ؟ " قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : " فإنها الرقيع موج مكفوف ، وسقف محفوظ ، " قال : " فهل تدرون كم بينكم وبينها " ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ؟ قال : " مسيرة خمس مئة سنة " ، قال : " فهل تدرون ما فوق ذلك ؟ " فقالوا مثل ذلك ، قال : " فوقها سماء أخرى وبينهما مسيرة خمس مئة سنة " ، قال : " وهل تدرون ما فوق ذلك ؟ " فقالوا مثل قولهم الأول ، قال : " فإن فوق ذلك العرش ، وبينه وبين السماء السابعة مثل ما بين السماءين " ، قال : هل " تدرون ما التي تحتكم ؟ " قالوا : الله ورسوله أعلم قال : " فإنها الأرض " ، قال : " فهل تدرون ما تحتها ؟ " قالوا له مثل قولهم الأول ، قال : " فإن تحتها أرضا أخرى ، وبينهما مسيرة خمس مئة سنة " ، حتى عد سبع أرضين ، بين كل أرضين مسيرة خمس مئة سنة ، ثم قال : " والذي نفس محمد بيده ، لو دلي أحدكم بحبل إلى الأرض أخرى لهبط على الله " ، ثم قرأ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وقوله : وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يقول تعالى ذكره : وهو بكل شيء ذو علم ، لا يخفى عليه شيء ، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء