محمد بن جرير الطبري

121

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

من كلام العرب وهو أن يخاطب الجماعة بالفعل ، كأنهم أهله وأصحابه ، والمراد به بعضهم غائبا كان أو شاهدا ، فيقول : قتلتم فلانا ، والقاتل منهم واحد ، إما غائب ، وإما شاهد . وقد بينا نظائر ذلك في مواضع كثيرة من كتابنا هذا . يقول : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ يقول : ورسلنا الذين يقبضون روحه أقرب إليه منكم ، وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ . وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول : قيل فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ كأنه قد سمع منهم ، والله أعلم : إنا نقدر على أن لا نموت ، فقال : فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ، ثم قال فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ أي غير مجزيين ترجعون تلك النفوس وأنتم ترون كيف تخرج عند ذلك إن كنتم صادقين بأنكم تمتنعون من الموت . القول في تأويل قوله تعالى : فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ . . . وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ يقول تعالى ذكره : فهلا إن كنتم أيها الناس غير مدينين . واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : مَدِينِينَ فقال بعضهم : غير محاسبين . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ يقول : غير محاسبين . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : غَيْرَ مَدِينِينَ قال : محاسبين . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ أي محاسبين . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قول الله : فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ قال : كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت ، قال : وهو مالك يوم الدين ، يوم يدان الناس بأعمالهم ، قال : يدانون : يحاسبون . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، قال : أخبرنا أبو رجاء ، عن الحسن ، في قوله : فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ قال : غير محاسبين . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا سليمان ، قال : ثنا أبو هلال ، عن قتادة فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ قال غير مبعوثين ، غير محاسبين . وقال آخرون : معناه : غير مبعوثين . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال ثنا هوذة ، قال : ثنا عوف ، عن الحسن فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ غير مبعوثين يوم القيامة ، ترجعونها إن كنتم صادقين . وقال آخرون : بل معناه : غير مجزيين بأعمالكم . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : غير محاسبين فمجزيين بأعمالكم من قولهم : كما تدين تدان ، ومن قول الله : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ وقوله : تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يقول : تردون تلك النفوس من بعد مصيرها إلى الحلاقيم إلى مستقرها من الأجساد إن كنتم صادقين ، إن كنتم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة ، وجواب قوله : فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ، وجواب قوله : فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ جواب واحد وهو قوله : تَرْجِعُونَها وذلك نحو قوله : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ جعل جواب الجزاءين جوابا واحدا . وبنحو الذي قلنا في قوله : تَرْجِعُونَها قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال قال ابن زيد ، في قوله : تَرْجِعُونَها قال : لتلك النفس إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . وقوله : فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ يقول تعالى ذكره : فأما إن كان الميت من المقربين الذين قربهم الله من جواره في جنانه فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ يقول : فله روح وريحان . واختلف القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الأمصار فَرَوْحٌ بفتح الراء ، بمعنى : فله برد . وَرَيْحانٌ يقول : ورزق واسع في قول بعضهم ، وفي قول آخرين فله راحة وريحان وقرأ ذلك الحسن البصري " فروح " بضم الراء ، بمعنى : أن روحه تخرج في ريحانة . وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأه بالفتح لإجماع الحجة من القراء عليه ، بمعنى : فله الرحمة والمغفرة ، والرزق الطيب الهني . واختلف أهل التأويل في تأويل