محمد بن جرير الطبري

93

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

[ تفسير سورة ق ] القول في تأويل قوله تعالى ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ . . . الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ اختلف أهل التأويل في قوله : ق ، فقال بعضهم : هو اسم من أسماء الله تعالى أقسم به . ذكر من قال ذلك : حدثني علي بن داود ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس في قوله : ق و ن وأشباه هذا ، فإنه قسم أقسمه الله ، وهو اسم من أسماء الله . وقال آخرون : هو اسم من أسماء القرآن . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله ق قال : اسم من أسماء القرآن . وقال آخرون : ق اسم الجبل المحيط بالأرض ، وقد تقدم بياننا في تأويل حروف المعجم التي في أوائل سور القرآن بما فيه الكفاية عن إعادته في هذا الموضع . وقوله : وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ يقول : والقرآن الكريم . كما : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يحيى بن يمان ، عن أشعث بن إسحاق ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ قال : الكريم . واختلف أهل العربية في موضع جواب هذا القسم ، فقال بعض نحويي البصرة ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ قسم على قوله : قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وقال بعض نحويي أهل الكوفة : فيها المعنى الذي أقسم به ، وقال : ذكر أنها قضى والله ، وقال : يقال : إن قاف جبل محيط بالأرض ، فإن يكن كذلك فكأنه في موضع رفع : أي هو قاف والله ؛ قال : وكان ينبغي لرفعه أن يظهر لأنه اسم وليس بهجاء ؛ قال : ولعل القاف وحدها ذكرت من اسمه ، كما قال الشاعر : قلت لها قفي قالت قاف ذكرت القاف إرادة القاف من الوقف : أي إني واقفة . وهذا القول الثاني عندنا أولى القولين بالصواب ، لأنه لا يعرف في أجوبة الأيمان قد ، وإنما تجاب الأيمان إذا أجيبت بأحد الحروف الأربعة : اللام ، وإن ، وما ، ولا ، أو بترك جوابها فيكون ساقطا . وقوله : بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ما كذبك يا محمد مشركو قومك أن لا يكونوا عالمين بأنك صادق محق ، ولكنهم كذبوك تعجبا من أن جاءهم منذر ينذرهم عقاب الله منهم ، يعني بشرا منهم من بني آدم ، ولم يأتهم ملك برسالة من عند الله . وقوله : فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ يقول تعالى ذكره : فقال المكذبون بالله ورسوله من قريش إذ جاءهم منذر منهم هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ : أي مجيء رحل منا من بني آدم برسالة الله إلينا ، لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً القول في تأويل قوله تعالى : أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً . . . قَدْ عَلِمْنا . . . حَفِيظٌ يقول القائل : لم يجر للبعث ذكر ، فيخبر عن هؤلاء القوم بكفرهم ما دعوا إليه من ذلك ، فما وجه الخبر عنهم بإنكارهم ما لم يدعوا إليه ، وجوابهم عما لم يسألوا عنه . قيل : قد اختلف أهل العربية في ذلك ، فنذكر ما قالوا في ذلك ، ثم نتبعه البيان إن شاء الله تعالى ، فقال في ذلك بعض نحويي البصرة قال : أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ، لم يذكر أنه راجع ، وذلك والله أعلم لأنه كان على جواب ، كأنه قيل لهم : إنكم ترجعون ، فقالوا : أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ وقال بعض نحويي الكوفة قوله : أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً كلام لم يظهر قبله ، ما يكون هذا جوابا له ، ولكن معناه مضمر ، إنما كان والله أعلم : ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ لتبعثن بعد الموت ، فقالوا : أإذا كنا ترابا بعثنا ؟ جحدوا البعث ، ثم قالوا : ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ جحدوه أصلا ، قوله : بَعِيدٌ كما تقول للرجل يخطئ في المسألة ، لقد ذهبت مذهبا بعيدا من الصواب : أي أخطأت . والصواب من القول في ذلك عندنا ، أن في هذا الكلام