محمد بن جرير الطبري

91

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : لا يَلِتْكُمْ لا ينقصكم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً يقول : لن يظلمكم من أعمالكم شيئا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ قال : إن تصدقوا إيمانكم بأعمالكم يقبل ذلك منكم . وقرأت قراء الأمصار لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ بغير همز ولا ألف ، سوى أبي عمرو ، فإنه قرأ ذلك " لا يألتكم " بألف اعتبارا منه في ذلك بقوله : وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ فمن قال : ألت ، قال : يألت . وأما الآخرون فإنهم جعلوا ذلك من لات يليت ، كما قال رؤبة بن العجاج : وليلة ذات ندى سريت * ولم يلتني عن سراها ليت والصواب من القراءة عندنا في ذلك ، ما عليه قراء المدينة والكوفة لا يَلِتْكُمْ بغير ألف ولا همز ، على لغة من قال : لات يليت ، لعلتين : إحداهما : إجماع الحجة من القراء عليها . والثانية أنها في المصحف بغير ألف ، ولا تسقط الهمزة في مثل هذا الموضع ، لأنها ساكنة ، والهمزة إذا سكنت ثبتت ، كما يقال : تأمرون وتأكلون ، وإنما تسقط إذا سكن ما قبلها ، ولا يحمل حرف في القرآن إذا أتى بلغة على أخر جاء بلغة خلافها إذا كانت اللغتان معروفتين في كلام العرب . وقد ذكرنا أن ألت ولات لغتان معروفتان من كلامهم . وقوله : إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يقول تعالى ذكره : إن الله ذو عفو أيها الأعراب لمن أطاعه ، وتاب إليه من سالف ذنوبه ، فأطيعوه ، وانتهوا إلى أمره ونهيه ، يغفر لكم ذنوبكم ، رحيم بخلقه التائبين إليه أن يعاقبهم بعد توبتهم من ذنوبهم على ما تابوا منه ، فتوبوا إليه يرحمكم . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ غفور للذنوب الكثيرة أو الكبيرة ، شك يزيد ، رحيم بعباده . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ . . . أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ يقول تعالى ذكره للأعراب الذين قالوا آمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم : إنما المؤمنون أيها القوم الذين صدقوا الله ورسوله ، ثم لم يرتابوا ، يقول : ثم لم يشكوا في وحدانية الله ، ولا في نبوة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وألزم نفسه طاعة الله وطاعة رسوله ، والعمل بما وجب عليه من فرائض الله بغير شك منه في وجوب ذلك عليه وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يقول : جاهدوا المشركين بإنفاق أموالهم ، وبذل مهجهم في جهادهم ، على ما أمرهم الله به من جهادهم ، وذلك سبيله لتكون كلمة الله العليا ، وكلمة الذين كفروا السفلى . وقوله : أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ يقول : هؤلاء الذين يفعلون ذلك هم الصادقون في قولهم : إنا مؤمنون ، لا من دخل في الملة خوف السيف ليحقن دمه وماله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ قال : صدقوا إيمانهم بأعمالهم . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ أَ تُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ . . . / عَلِيمٌ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قُلْ يا محمد لهؤلاء الأعراب القائلين آمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم : أَ تُعَلِّمُونَ اللَّهَ أيها القوم بدينكم ، يعني بطاعتكم ربكم . وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يقول : والله الذي تعلمونه أنكم مؤمنون ، علام جميع ما في السماوات السبع والأرضين السبع ، لا يخفى عليه منه شيء ، فكيف تعلمونه بدينكم ، والذي أنتم عليه من الإيمان ، وهو لا يخفى عليه خافية ، في سماء ولا أرض ، فيخفى عليه ما أنتم عليه من الدين . وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يقول : والله بكل