محمد بن جرير الطبري

89

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ليعرف بعضكم بعضا في النسب ، يقول تعالى ذكره : إنما جعلنا هذه الشعوب والقبائل لكم أيها الناس ، ليعرف بعضكم بعضا في قرب القرابة منه وبعده ، لا لفضيلة لكم في ذلك ، وقربة تقربكم إلى الله ، بل أمرمكم عند الله أتقاكم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا قال : جعلنا هذا لتعارفوا ، فلان بن فلان من كذا وكذا . وقوله : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ يقول تعالى ذكره : إن أكرمكم أيها الناس عند ربكم ، أشدكم اتقاء له بأداء فرائضه واجتناب معاصيه ، لا أعظمكم بيتا ولا أكثركم عشيرة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : ثني ابن لهيعة ، عن الحرث بن يزيد ، عن علي بن رباح ، عن عقبة بن عامر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " والناس لآدم وحواء كطف الصاع لم يملؤه ، إن الله لا يسألكم عن أحسابكم ولا عن أنسابكم يوم القيامة ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم " . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : ثني ابن لهيعة ، عن الحرث بن يزيد ، عن علي بن رباح ، عن عقبة بن عامر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " وإن أنسابكم هذه ليست بمساب على أحد ، وإنما أنتم ولد آدم طف الصاع لم تملأوه ، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين أو عمل صالح حسب الرجل أن يكون فاحشا بذيا بخيلا جبانا " . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن ابن جريج ، قال : سمعت عطاء يقول : قال ابن عباس : ثلاث آيات جحدهن الناس : الإذن كله ، وقال : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ وقال الناس أكرمكم : أعظمكم بيتا ؛ وقال عطاء : نسيت الثالثة . وقوله : إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ يقول تعالى ذكره : إن الله أيها الناس ذو علم بأتقاكم عند الله وأكرمكم عنده ، ذو خبرة بكم وبمصالحكم ، وغير ذلك من أموركم ، لا تخفى عليه خافية . القول في تأويل قوله تعالى : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا . . . تُطِيعُوا اللَّهَ . . . رَحِيمٌ يقول تعالى ذكره : قالت الأعراب : صدقنا بالله ورسوله ، فنحن مؤمنون ، قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهم لَمْ تُؤْمِنُوا ولستم مؤمنين وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا . وذكر أن هذه الآية نزلت في أعراب من بني أسد . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قال : أعراب بنى أسد بن خزيمة . واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : قل لهؤلاء الأعراب : قولوا أسلمنا ، ولا تقولوا آمنا ، فقال بعضهم : إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، لأن القوم كانوا صدقوا بألسنتهم ، ولم يصدقوا قولهم بفعلهم ، فقيل لهم : قولوا أسلمنا ، لأن الإسلام قول ، والإيمان قول وعمل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الزهري قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا قال : إن الإسلام : الكلمة ، والإيمان : العمل . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، وأخبرني الزهري ، عن عامر بن سعد ، عن أبيه سعد ، قال : أعطى النبي صلى الله عليه وسلم رجالا ، ولم يعط رجلا منهم شيئا ، فقال سعد : يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا ، ولم تعط فلانا شيئا ، وهو مؤمن ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أو مسلم " ؟ حتى أعادها سعد ثلاثا ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : " أو مسلم " ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم " إني أعطي رجالا وأدع من هو أحب إلي منهم ، لا أعطيه شيئا مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم " . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :