محمد بن جرير الطبري

76

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يا معشر الأنصار خلوا لي بشيء لعلي أصلى بحرها ساعة قال : ورجل قائم على ثلمة ، فقتل وقتل . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الزهري ، أن ثابت بن قيس بن شماس ، قال : لما نزلت لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ قال : يا نبي الله ، لقد خشيت أن أكون قد هلكت ، نهانا الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك ، وإني امرؤ جهير الصوت ، ونهى الله المرء أن يحب أن يحمد بما لم يفعل ، فأجدني أحب أن أحمد ؛ ونهى الله عن الخيلاء وأجدني أحب الجمال ؛ قال : فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا ثابت أما ترضى أن تعيش حميدا ، وتقتل شهيدا ، وتدخل الجنة ؟ " فعاش حميدا ، وقتل شهيدا يوم مسيلمة . حدثني علي بن سهل ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا نافع بن عمر بن جميل الجمحي ، قال : ثني ابن أبي مليكة ، عن الزبير ، قال : " قدم وفد أراه قال تميم ، على النبي صلى الله عليه وسلم ، منهم الأقرع بن حابس ، فكلم أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم أن يستعمله على قومه ، قال : فقال عمر : لا تفعل يا رسول الله ، قال : فتكلما حتى ارتفعت أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : فقال أبو بكر لعمر : ما أردت إلا خلافي ، قال : ما أردت خلافك . قال : ونزل القرآن : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ إلى قوله : وَأَجْرٌ عَظِيمٌ قال : فما حدث عمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ، فيسمع النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : وما ذكر ابن الزبير جده ، يعني أبا بكر . وقوله : أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ يقول : أن لا تحبط أعمالكم فتذهب باطلة لا ثواب لكم عليها ، ولا جزاء برفعكم أصواتكم فوق صوت نبيكم ، وجهركم له بالقول كجهر بعضكم لبعض . وقد اختلف أهل العربية في معنى ذلك ، فقال بعض نحويي الكوفة : معناه : لا تحبط أعمالكم . قال : وفيه الجزم والرفع إذا وضعت " لا " مكان " أن " . قال : وهي في قراءة عبد الله " فتحبط أعمالكم " وهو دليل على جواز الجزم ، وقال بعض نحويي البصرة : قال : أن تحبط أعمالكم : أي مخافة أن تحبط أعمالكم وقد يقال : أسند الحائط أن يميل . وقوله : وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ يقول : وأنتم لا تعلمون ولا تدرون . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ . . . مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ يقول تعالى ذكره : إن الذين يكفون رفع أصواتهم عند رسول الله ، وأصل الغض : الكف في لين . ومنه : غض البصر ، وهو كفه عن النظر ، كما قال جرير : فغض الطرف إنك من نمير * فلا كعبا بلغت ولا كلابا وقوله : أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى يقول تعالى ذكره : هؤلاء الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ، هم الذين اختبر الله قلوبهم بامتحانه إياها ، فاصطفاها وأخلصها للتقوى ، يعني لاتقائه بأداء طاعته ، واجتناب معاصيه ، كما يمتحن الذهب بالنار ، فيخلص جيدها ، ويبطل خبثها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ قال : أخلص . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ قال : أخلص الله قلوبهم فيما أحب . وقوله : لَهُمْ مَغْفِرَةٌ يقول : لهم من الله عفو عن ذنوبهم السالفة ، وصفح منه عنها لهم وَأَجْرٌ عَظِيمٌ يقول : وثواب جزيل ، وهو الجنة . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ . . . وَلَوْ أَنَّهُمْ . . . غَفُورٌ رَحِيمٌ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إن الذين ينادونك يا محمد من وراء حجراتك ، والحجرات : جمع حجرة ، والثلاث : حجر ، ثم تجمع الحجر فيقال : حجرات وحجرات ، وقد تجمع بعض العرب الحجر : حجرات بفتح الجيم ، وكذلك كل جمع