محمد بن جرير الطبري

47

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ فقرأ جميع ذلك عامة قراء الأمصار خلا أبي جعفر المدني وأبي عمرو بن العلاء ، بالتاء لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ ، وَتُوَقِّرُوهُ ، وَتُسَبِّحُوهُ بمعنى : لتؤمنوا بالله ورسوله أنتم أيها الناس . وقرأ ذلك أبو جعفر وأبو عمرو كله بالياء " ليؤمنوا ، ويعزروه ، ويوقروه ، ويسبحوه " بمعنى : إنا أرسلناك شاهدا إلى الخلق ليؤمنوا بالله ورسوله ويعزروه . والصواب من القول في ذلك : أن يقال : إنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً يقول : شاهدا على أمته على أنه قد بلغهم ومبشرا بالجنة لمن أطاع الله ، ونذيرا من النار . وقوله : وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ اختلف أهل التأويل في تأويله ، فقال بعضهم : تجلوه ، وتعظموه . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس وَتُعَزِّرُوهُ يعني : الإجلال وَتُوَقِّرُوهُ يعني : التعظيم . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ كل هذا تعظيم وإجلال . وقال آخرون : معنى قوله : وَتُعَزِّرُوهُ وينصروه ، ومعنى وَتُوَقِّرُوهُ ويفخموه . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَتُعَزِّرُوهُ ينصروه وَتُوَقِّرُوهُ أمر الله بتسويده وتفخيمه . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : وَتُعَزِّرُوهُ قال : ينصروه ، ويوقروه : أي ليعظموه . حدثني أبو هريرة الضبعي ، قال : ثنا حرمي ، عن شعبة ، عن أبي بشر ، جعفر بن أبي وحشية ، عن عكرمة وَتُعَزِّرُوهُ قال : يقاتلون معه بالسيف . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثني هشيم ، عن أبي بشر ، عن عكرمة ، مثله . حدثني أحمد بن الوليد ، قال : ثنا عثمان بن عمر ، عن سعيد ، عن أبي بشر ، عن عكرمة ، بنحوه . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا يحيى ومحمد بن جعفر ، قالا : ثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن عكرمة ، مثله . وقال آخرون : معنى ذلك : ويعظموه . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ قال : الطاعة لله . وهذه الأقوال متقاربات المعنى ، وإن اختلفت ألفاظ أهلها بها . ومعنى التعزير في هذا الموضع : التقوية بالنصرة والمعونة ، ولا يكون ذلك إلا بالطاعة والتعظيم والإجلال . وقد بينا معنى ذلك بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . فأما التوقير : فهو التعظيم والإجلال والتفخيم . وقوله : وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا الصلاة يقول : وتصلوا له يعني لله بالغدوات والعشيات . والهاء في قوله : وَتُسَبِّحُوهُ من ذكر الله وحده دون الرسول . وقد ذكر أن ذلك في بعض القراءات : " ويسبحوا الله بكرة وأصيلا " . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة " ويسبحوه بكرة وأصيلا " في بعض القراءة " ويسبحوا الله بكرة وأصيلا " . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة في بعض الحروف " ويسبحوا الله بكرة وأصيلا " . حدثنا عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : " ويسبحوه بكرة وأصيلا " يقول : يسبحون الله رجع إلى نفسه . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما . . . فَوْقَ أَيْدِيهِمْ . . . عَظِيماً يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ بالحديبية من أصحابك على أن لا يفروا عند لقاء العدو ، ولا يولوهم الأدبار إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يقول : إنما يبايعون ببيعتهم إياك الله ، لأن الله ضمن لهم الجنة بوفائهم له بذلك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني