محمد بن جرير الطبري

45

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

صلى الله عليه وسلم ، فلما انصرفنا عنها ، إذا الناس يهزون الأباعر ، فقال بعض الناس لبعض : ما للناس ، قالوا : أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ فقال رجل : أو فتح هو يا رسول الله ؟ قال : " نعم " ، " والذي نفسي بيده إنه لفتح " ، قال : فقسمت خيبر على أهل الحديبية ، لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية ، الغنيمة وكان الجيش ألفا وخمس مئة ، فيهم ثلاث مئة فارس ، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثمانية عشر سهما ، فأعطى الفارس سهمين ، وأعطى الراجل سهما حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن الشعبي ، قال : نزلت إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً بالحديبية ، وأصاب في تلك الغزوة الحديبية ما لم يصبه في غزوة ، أصاب أن بويع بيعة الرضوان ، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وظهرت الروم على فارس ، وبلغ الهدى محله ، وأطعموا نخل خبير ، وفرح المؤمنون بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم ، وبظهور الروم على فارس . وقوله تعالى : وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ بإظهاره إياك على عدوك ، ورفعه ذكرك في الدنيا ، وغفرانه ذنوبك في الآخرة . وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً يقول : ويرشدك طريقا من الدين لا اعوجاج قيه ، يستقيم بك إلى رضا ربك . وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً يقول : وينصرك على سائر أعدائك ، ومن ناوأك نصرا ، لا يغلبه غالب ، ولا يدفعه دافع ، للبأس الذي يؤيدك الله به ، وبالظفر الذي يمدك به . القول في تأويل قوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ . . . وَالْأَرْضِ . . . حَكِيماً يعني جل ذكره بقوله : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ الله أنزل السكون والطمأنينة في قلوب المؤمنين بالله ورسوله إلى الإيمان ، والحق الذي بعثك الله به يا محمد . وقد مضى ذكر اختلاف أهل التأويل في معنى السكينة قبل ، والصحيح من القول في ذلك بالشواهد المغنية ، عن إعادتها في هذا الموضع . لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ يقول : ليزدادوا بتصديقهم بما جدد الله من الفرائض التي ألزمهموها ، التي لم تكن لهم لازمة إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ يقول : ليزدادوا إلى إيمانهم بالفرائض التي كانت لهم لازمة قبل ذلك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ قال : السكينة : الرحمة لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ قال : إن الله جل ثناؤه بعث نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله ، فلما صدقوا بها زادهم الصلاة ، فلما صدقوا بها زادهم الصيام ، فلما صدقوا به زادهم الزكاة ، فلما صدقوا بها زادهم الحج ، ثم أكمل لهم دينهم ، فقال الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي قال ابن عباس : فأوثق إيمان أهل الأرض وأهل السماوات وأصدقه وأكمله شهادة أن لا إله إلا الله . وقوله : وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يقول تعالى ذكره : ولله جنود السماوات والأرض أنصار ينتقم بهم ممن يشاء من أعدائه كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً يقول تعالى ذكره : ولم يزل الله ذا علم بما هو كائن قبل كونه ، وما خلقه عاملوه ، حكيما في تدبيره . القول في تأويل قوله تعالى : لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ . . . عَظِيماً يقول تعالى ذكره : إنا فتحنا لك فتحا مبينا ، لتشكر ربك ، وتحمده على ذلك ، فيغفر لك ما تقد م من ذنبك وما تأخر ، وليحمد ربهم المؤمنون بالله ، ويشكروه على إنعامه عليهم بما أنعم به عليهم من الفتح الذي فتحه ، وقضاه بينهم وبين أعدائهم من المشركين ، بإظهاره إياهم عليهم ، فيدخلهم بذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ، ماكثين فيها إلى غير نهاية وليكفر عنهم سيئ أعمالهم بالحسنات التي يعملونها شكرا منهم لربهم على ما قضى لهم ، وأنعم عليهم به وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً يقول تعالى ذكره : وكان ما وعدهم الله به