محمد بن جرير الطبري

43

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

إذا جاءه نصر الله وفتح مكة ، وأن يستغفره ، وأعلمه أنه تواب على من فعل ذلك ، ففي ذلك بيان واضح أن قوله تعالى ذكره : لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ إنما هو خبر من الله جل ثناؤه نبيه عليه الصلاة والسلام عن جزائه له على شكره له ، على النعمة التي أنعم بها عليه من إظهاره له ما فتح ، لأن جزاء الله تعالى عباده على أعمالهم دون غيرها . وبعد ففي صحة الخبر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوم حتى ترم قدماه ، فقيل له : يا رسول الله تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال : " أفلا أكون عبد شكورا ؟ " ، الدلالة الواضحة على أن الذي قلنا من ذلك هو الصحيح من القول ، وأن الله تبارك وتعالى ، إنما وعد نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم غفران ذنوبه المتقدمة ، فتح ما فتح عليه ، وبعده على شكره له ، على نعمه التي أنعمها عليه . وكذلك كان يقول صلى الله عليه وسلم : " إني لأستغفر الله وأتوب إليه في كل يوم مئة مرة " ولو كان القول في ذلك أنه من خبر الله تعالى نبيه أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر على غير الوجه الذي ذكرنا ، لم يكن لأمره إياه بالاستغفار بعد هذه الآية ، ولا لاستغفار نبي الله صلى الله عليه وسلم ربه جل جلاله من ذنوبه بعدها معنى يعقل ، إذ الاستغفار معناه : طلب العبد من ربه عز وجل غفران ذنوبه ، فإذا لم يكن ذنوب تغفر لم يكن لمسألته إياه غفرانها معنى ، لأنه من المحال أن يقال : اللهم اغفر لي ذنبا لم أعمله . وقد تأول ذلك بعضهم بمعنى : ليغفر لك ما تقدم من ذنبك قبل الرسالة ، وما تأخر إلى الوقت الذي قال : إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ . وأما الفتح الذي وعد الله جل ثناؤه نبيه صلى الله عليه وسلم هذه العدة على شكره إياه عليه ، فإنه فيما ذكر الهدنة التي جرت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين مشركي قريش بالحديبية . وذكر أن هذه السورة أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه عن الحديبية بعد الهدنة التي جرت بينه وبين قومه . وبنحو الذي قلنا في معنى قوله : إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، قوله : إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً قال : قضينا لك قضاء مبينا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً والفتح : القضاء . ذكر الرواية عمن قال : هذه السورة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي ذكرت : حدثنا حميد بن مسعدة ، قال : ثنا بشر بن المفضل ، قال : ثنا داود ، عن عامر إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً قال : الحديبية . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً قال : نحره بالحديبية وحلقه . حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع ، قال : ثنا أبو بحر ، قال : ثنا شعبة ، قال : ثنا جامع بن شداد ، عن عبد الرحمن بن أبي علقمة ، قال : سمعت عبد الله بن مسعود يقول : لما أقبلنا من الحديبية أعرسنا فنمنا ، فلم نستيقظ إلا بالشمس قد طلعت ، فاستيقظنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نائم ، قال : فقلنا أيقظوه ، فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " وافعلوا كما كنتم تفعلون ، فكذلك من نام أو نسي " قال : وفقدنا ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوجدناها قد تعلق خطامها بشجرة ، فأتيته بها ، فركب فبينا نحن نسير ، إذ أتاه الوحي ، قال : وكان إذا أتاه اشتد عليه ؛ فلما سري عنه أخبرنا أنه أنزل عليه : إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً . حدثنا أحمد بن المقدام ، قال : ثنا المعتمر ، قال : سمعت أبي يحدث عن قتادة ، عن أنس بن مالك ، قال : لما رجعنا من غزوة الحديبية ، وقد حيل بيننا وبين نسكنا ، قال : فنحن بين الحزن والكآبة ، قال : فأنزل الله عز وجل : إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ ، وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ، وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً أو كما شاء الله ، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : " ولقد أنزلت علي آية أحب إلي من الدنيا جميعا " . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن سعيد بن أبي عروبة ،