محمد بن جرير الطبري
41
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أَضْغانَكُمْ يقول تعالى ذكره : حاضا عباده المؤمنين على جهاد أعدائه ، والنفقة في سبيله ، وبذل مهجتهم في قتال أهل الكفر به : قاتلوا أيها المؤمنون أعداء الله وأعداءكم من أهل الكفر ، ولا تدعكم الرغبة في الحياة إلى ترك قتالهم ، فإنما الحياة الدنيا لعب ولهو ، إلا ما كان منها لله من عمل في سبيله ، وطلب رضاه . فأما ما عدا ذلك فإنما هو لعب ولهو ، يضمحل فيذهب ويندرس فيمر ، أو إثم يبقى على صاحبه عاره وخزيه وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ يقول : وإن تعملوا في هذه الدنيا التي ما كان فيها مما هو لها ، فلعب ولهو ، فتؤمنوا به وتتقوه بأداء فرائضه ، واجتناب معاصيه ، وهو الذي يبقى لكم منها ، ولا يبطل بطول اللهو واللعب ، ثم يؤتكم ربكم عليه أجوركم ، فيعوضكم منه ما هو خير لكم منه يوم فقركم ، وحاجتكم إلى أعمالكم وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ يقول : ولا يسألكم ربكم أموالكم ، ولكنه يكلفكم توحيده ، وخلع ما سواه من الأنداد ، وإفراد الألوهة والطاعة له إِنْ يَسْئَلْكُمُوها : يقول جل ثناؤه : إن يسألكم ربكم أموالكم فَيُحْفِكُمْ يقول : فيجهدكم بالمسألة ، ويلح عليكم بطلبها منكم فيلحف ، تَبْخَلُوا : يقول : تبخلوا بها وتمنعوها إياه ، ضنا منكم بها ، ولكنه علم ذلك منكم ، ومن ضيق أنفسكم فلم يسألكموها . وقوله : وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ يقول : ويخرج جل ثناؤه لو سألكم أموالكم بمسألته ذلك منكم أضغانكم قال : قد علم الله أن في مسألته المال خروج الأضغان . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا قال : الإحفاء : أن تأخذ كل شيء بيديك . القول في تأويل قوله تعالى : ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ . . . يَسْتَبْدِلْ . . . أَمْثالَكُمْ يقول تعالى ذكره للمؤمنين : ها أَنْتُمْ أيها الناس هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ يقول : تدعون إلى النفقة في جهاد أعداء الله ونصرة دينه فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ بالنفقة فيه ، وأدخلت " ها " في موضعين ، لأن العرب إذا أرادت التقريب جعلت المكنى بين " وها " وبين " ذا " ، فقالت : ها أنت ذا قائما ، لأن التقريب جواب الكلام ، فربما أعادت " ها " مع " ذا " ، وربما اجتزأت بالأولى ، وقد حذفت الثانية ، ولا يقدمون أنتم قبل " ها " ، لأن ها جواب فلا تقرب بها بعد الكلمة . وقال بعض نحويي البصرة : جعل التنبيه في موضعين للتوكيد . وقوله : وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ يقول تعالى ذكره : ومن يبخل بالنفقة في سبيل الله ، فإنما يبخل عن بخل نفسه ، لأن نفسه لو كانت جوادا لم تبخل بالنفقة في سبيل الله ، ولكن كانت تجود بها وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ يقول تعالى ذكره : ولا حاجة لله أيها الناس إلى أموالكم ولا نفقاتكم ، لأنه الغني عن خلقه والخلق الفقراء إليه ، وأنتم من خلقه ، فأنتم الفقراء إليه ، وإنما حضكم على النفقة في سبيله ، ليكسبكم بذلك الجزيل من ثوابه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ قال : ليس بالله تعالى ذكره إليكم حاجة وأنتم أحوج إليه . وقوله تعالى ذكره : وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ يقول تعالى ذكره : وإن تتولوا أيها الناس عن هذا الدين الذي جاءكم . به محمد صلى الله عليه وسلم ، فترتدوا راجعين عنه يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ يقول : يهلككم ثم يجيء بقوم آخرين غيركم بدلا منكم يصدقون به ، ويعملون بشرائعه ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ يقول : ثم لا يبخلوا بما أمروا به من النفقة في سبيل الله ، ولا يضيعون شيئا من حدود دينهم ، ولكنهم يقومون بذلك كله على ما يؤمرون به . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ يقول : إن توليتم عن كتابي وطاعتي أستبدل قوما غيركم . قادر والله ربنا على ذلك على أن يهلكهم ، ويأتي من بعدهم من هو خير منهم . حدثنا ابن